روعة أوجيه
روعة أوجيه
2.5 k

أدون.. لأبقى إنسانة!

10/8/2016
كنت مراهقة حين وقفت للمرّة الأولى، كما أقف في هذه اللحظة، أمام صفحة بيضاء.. كنت حينها قد بدأت بفهم العالم..

ولم يرُق لي ما فهمته..
فتحت دفتري حينها، وحملت قلمي.. وكتبت..
كتبت عنّي.. أنا وحدي..
بكلّ أنانية.. وبكلّ غرور..
وما الذي يُمكن أن يُكتب عن مراهقة عاشت كلّ حياتها، القصيرة، بين بيتها ومدرستها، يفصلهما رصيفان فقط؟

رصيفان تعرّفت عبرهما على الطبقية في مجتمعاتنا.. بين المدرسة الحكومية حيث أكملت أختي دراستها، ومدرستي الخاصة التي لم أكن لأكمل تعليمي فيها لولا منحة دراسية من إدارتها..

تعلّمت مع التحرّش أن المعيب بالنسبة للمجتمع هو أن تردّ الفتاة، وليس قلّة أدب الذكور
رصيفان تعرّفت عبرهما على تنوّع الطوائف في مجتمعاتنا.. بين دكّان عبده ودكّان أبو رامي وما بينهما من ملامح تعايش، تارةً تراها حقيقية، وتارةً تراها مزيّفة مفعمة بالملاحظات المسمومة والأحكام المسبقة والتعميمات القاتلة..

رصيفان تعرّفت فيهما على التحرّش.. من رجالٍ أكبر من جدّي وأطفالٍ أصغر من أخي.. وتعلّمت مع التحرّش أن المعيب بالنسبة للمجتمع هو أن تردّ الفتاة، وليس قلّة أدب الذكور..
رصيفان كنت أعبرهما يومياً..
ثلاث دقائق ذهابا، وثلاث دقائق إيابا..
ستّ دقائق كانت كافية لأحسم، من علياء مراهقتي، أنّ هذا العالم لا يعجبني!

لا تعجبني صوره النمطية..
لا تعجبني تصنيفاته للبشر..
لا تعجبني قواعده الظالمة..

حملت قلمي حينها وأردت أن أصرخ على الورقة.. فمن المعيب أن ترفع أنثى صوتها..
أردت أن أعلن اعتزالي لهذا الدور الذي لا يعجبني..
وانعزالي عن هذا العالم الذي لا يعجبني..
أردت وأردت.. لكن لا أدري ما الذي حدث أمام تلك الصفحة البيضاء..

أهو البياض بنقاوته؟ أهي فكرة البدء من جديد، بصفحة جديدة؟
أهو الأمل؟ أم غريزة البقاء؟
كتبت حينها كلمتين فقط:
"لن أستسلم!"

مدّ يد العون للآخر لا يرتبط بدينه ولونه ولغته ومنطقته. بل بحاجته فقط للمساعدة
لم أفهم حينها ما الذي قصدته.. اليوم أفهم أكثر..
لن أستسلم لهذا العالم ومعاييره.. لا لتصنيفاته، ولا لأحكامه.. ولا لإجحافه.. ولا لدمويته.. ولا لخنوعه..
ولا لاستسلامه..

سلاحي في وجه التيار هو القلم..
أكتب لأتذكّر أن مدّ يد العون للآخر لا يرتبط بدينه ولونه ولغته ومنطقته. بل بحاجته فقط للمساعدة..
أكتب لأتذكّر أن احترام الآخر لا يرتبط بدينه ولونه ووطنه، بل فقط بمجرّد وجوده على هذه الأرض مثلي..

أكتب لأتذكّر أنّ الله خلقنا سواسية.. وأنّنا سنموت سواسية.. وأنّ كل ما هو على هذه الأرض فانٍ، فلنعش سواسية..

أكتب لأحبّ الآخر.. ولأتعاطف مع وجعه..
ولأغضب لظلمه.. ولأثور على خنوعه..
أكتب، لأبقى إنسانة..
كلمات مفتاحية: إنسان، كتابة، تعبير، حرية، قلم، ثورة

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة