د. باسم خفاجي
د. باسم خفاجي
1.3 k

العواطف وسيادة العالم

21/8/2016

العواطف بين الناس شأنها شأن المعادن، منها الرخيص ومنها الثمين النفيس. والناس يحبون دائمًا اقتناء المعادن الثمينة ولكنهم أيضًا يكثرون من استخدام المعادن الرخيصة في حياتهم اليومية. وكذلك العواطف بين الناس بعضها ثمين يحب الناس أن يعاملوا به كالاحترام والإعجاب والمهابة والتقدير والرحمة.. وكثير منها عواطف رخيصة يكثر للأسف تبادلها بين الناس كالاستهزاء والخوف والاستغلال والاحتقار.

ومن العجيب أن نظرة الناس إلى الأمم والشعوب ترتبط بالعواطف أكثر مما ترتبط بالموارد المالية أو القدرات العسكرية أو حتى الواقع الجغرافي أو الاقتصادي. فإذا كانت العواطف أو المشاعر المرتبطة بأمة ما مشاعر رخيصة هانت الأمة، وأصبحت محل تهكم الشعوب مهما بلغت قوتها المادية أو العسكرية.

المشكلة الرئيسية أمام الأمة العربية والإسلامية في عالم اليوم أنها ليست محلًّا للاحترام من باقي أمم الأرض

وإذا كانت الأمة تحظى بالمشاعر الثمينة من قبل شعوب العالم الأخرى أصبحت محل احترام لدى العالم حتى ولو لم تكن الدولة أو الأمة ذات قدرات وموارد بشرية أو مادية متميزة في عالم اليوم.

فمن ينظر مثلاً إلى اليابان أو كندا أو النرويج يجد أن العالم يحيط مثل هذه الدول بهالة من العواطف الثمينة التي تجمع بين الاحترام والإعجاب والرغبة في التقليد أو مجرد التقدير أو الانبهار.. وهذه الدول ليست من أقوى دول العالم أو أكبرها أو حتى أقواها عسكريًّا، بينما المراقب اليوم لدول أخرى كأمريكا أو كوبا أو إسرائيل يجد أن أغلب العالم شعوبًا وأفرادًا يصف هذه الدول بخليط من العواطف الرخيصة من مثل الاستهزاء أو التهكم أو الخوف أو الاحتقار، وكذلك أيضًا -وللأسف الشديد- النظرة إلى العالم العربي والإسلامي، وما أقسى هذا الحكم وما أصدقه أيضا.

المشكلة الرئيسية أمام الأمة العربية والإسلامية في عالم اليوم أنها ليست محلًّا للاحترام من باقي أمم الأرض. هناك أشخاص من بين أبناء الأمة يحظون بالاحترام والإعجاب الفردي بهم، ولكنهم يعاملون معاملة الاستثناء في عالم التخلف العربي والإسلامي.

لن يفيدنا كثيرًا أن نلقي باللائمة على الإعلام الغربي أو الهيمنة الصهيونية أو هذا الحاكم أو ذاك أو ما شابه ذلك من الحجج المعتادة. المشكلة الحقيقية هي في الأمة نفسها.. في كل منا.. وفي مجموعنا معًا.

العواطف الثمينة كالمعادن النفيسة في غلاء ثمنها، ولكنها تعلي من قيمة وشأن من يحوزها

نحن لا نعمل وفق مخطط عام لنيل الاحترام العالمي، وإنما نبحث عن العواطف الرخيصة فهى أسهل في الحصول عليها من العواطف الثمينة التي تحتاج إلى أن تكتسب بالجهد والتخطيط الطويل المدى، وإنكار الذات في مقابل إفادة المجتمع.

نحن نجري اليوم وراء استعطاف العالم ونقبل أن يستهزأ بأمتنا ومقدساتها، ولا نمانع أن تستغل ثرواتها، وأن يحتقر أبناؤها في بلدان العالم الأخرى. يبحث كل منا عن موقع لنفسه كفرد وليس لأمته، ولذلك هانت أمتنا لأننا قبلنا لها بالهوان، وبحثنا عن أسهل الطرق لاستدرار أرخص العواطف من شعوب الأرض.

لن ينصلح حالنا إلا إذا توقفنا عن البحث عن الحلول السريعة والمادية فقط، وبدأنا في العمل معًا يدًا بيد لكي نعيد الاحترام والإعجاب إلى الأمة، وليس إلى فرد بعينه أو مجموعة بذاتها. فقط عندما تنال الأمة تقدير العالم، عندها فقط يحترم الأفراد، وتتحول مسيرة التاريخ ونظرة العالم إلى هذه الأمة.

العواطف الثمينة كالمعادن النفيسة في غلاء ثمنها، ولكنها تعلي من قيمة وشأن من يحوزها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة