رفيقان.. من الميلاد حتى الاستشهاد

26/8/2016

أن تعيش طفولتك في غزة وتدرك الحياة في ذروة انتفاضة، يعني أن تكون حياتك مليئة بقصص الشهداء والأبطال، فيسلك إلى قلبك الشغف لرؤيتهم في يوم من الأيام، لرؤية أولئك الذين هم دفء قلوبنا حين ترتجف من الخذلان والعدوان.

بعد الانسحاب الصهيوني من غزة عام ٢٠٠٥ أصدرت كتائب القسام لأول مرة قائمةً بأسماء قادتها ضمن مجلة أسمتها "فجر الانتصار" تتحدث عن أسباب هروب الصهاينة من غزة وأبرز عمليات المقاومة التي هزت أرجاء "المستوطنات" في القطاع ودبت الرعب في نفوس الصهاينة حتى أصبح بقاؤهم في القطاع كابوسا.

وكان الإعلان عن الأسماء دون الكشف عن صور أصحابها وملامحهم، وتملكنا الشغف مع الفضول لرؤيتهم قبل رحيلهم، كيف السبيل إلى ذلك؟ وهم الذين يشتاق أبناؤهم للجلوس معهم بسبب انقطاعهم لفتراتٍ طويلة وسنوات من التعب والمطاردة!
 
حين الحزن كنا ننتظر صوت صفير صواريخهما أو وقع رصاصاتهما، إن أفراحًا كثيرة صنعها محمد ورائد دخلت كل بيتٍ فلسطيني بل وبيوت أحرار العالم
ذات يومٍ حين كنت طالبًا في المرحلة الإعدادية من المدرسة، جاء أحد الأصدقاء الذين يكبرونني سنًا، وهمس في أذني أن ذلك الشخص الطويل العريض هو رائد العطار قائد لواء رفح في كتائب القسام، ويجلس بجانبه محمد أبو شمالة قائد منطقة الجنوب في الكتائب، فأمعنت النظر فيهما طويلًا، وقلت لعلها المرة الأولى والأخيرة التي أراهما فيها، فـ(أمثالهما) ليسوا من أهل الزمان ولا المكان وإن كانوا من أصحابه، فهم يحملون أرواحهم على راحاتهم ويتأهبون للرحيل كل لحظة.

غير أنه وبعد سنوات قليلة شاهدت محمد أبو شمالة قدَرًا يدخل مسجدًا لأداء الصلاة، فجلست أجول نظري عن رائد متيقنًا أنه موجود؛ وكان موجودًا بالفعل لكنه كان يتوضأ، فجلست صامتًا بجانب محمد بعد أن سلمت عليه، وحين أقيمت الصلاة ووقفنا، أدركتُ أبصار محمد تبحث عن شيء ما في المكان، فكان هذا الشيء عيون رائد، حتى نظرا إلى بعضهما وابتسم محمد ابتسامته الخفيفة ورائد ابتسامته العريضة، وقلت ربما سبب الابتسامة أنهما لم يستطيعا الصلاة بجانب بعضهما البعض!

أدركت يومها عمق الصداقة بينهما إلى درجة توأمة الروح، بقلبٍ صافٍ يبتسم رغم الأتعاب والأوجاع ويشعر بمعاناة الناس؛ فعند باب المسجد وجد محمد امرأةً كبيرة في السن تسأل حاجتها، فوقف يسألها عن حالها وأفرغ بعدها كل ما في محفظته في يدها وطلب منها عنوانها وقال لها لا أريد أن أشاهدك تجلسين للتسول بعد اليوم في أي مكان.

نعم هذا محمد قائد الإمداد ليس غريبًا عليه أن يضحي بمصروف عائلته لأيام وربما أسابيع، وهو الذي ضحى بأوقاته وعمره دفاعًا عن شعبه وأمته، ولم يكن يقبل أن يرى أي شخصٍ من أبناء شعبه مكسورًا أو ذليلًا فهو طالب عزة لدينه ووطنه وشعبه.

إن ابتسامتيهما ما زالتا حاضرتين في قلبي رغم طول السنين التي مضت، وستبقى ذكراهما خالدة في النفوس مع الأيام نرويها وتفاصيلها للأجيال، تفاصيل قصة توأمين لم يخرجا من رحمٍ واحدة، ولكنَّ قضية واحدة وعقيدة واحدة وإيمانًا عميقًا بالحق جمعهما.

حين سمعت من وسائل الإعلام خبر استهداف رائد العطار قلت سيكون معه محمد فحسن ظني بالله أنه لن يفجع قلب أحدهما على الآخر
كانا درع رفح وبهجة نفوس أبنائها وأبناء الوطن، حين الحزن كنا ننتظر صوت صفير صواريخهما أو وقع رصاصاتهما أو صدى ديناميت رجالهما، إن أفراحًا كثيرة صنعها هذان الرفيقان دخلت كل بيتٍ فلسطيني بل وبيوت أحرار العالم، وساهما في تحرير أكثر من ألف أسير فلسطيني من سجون الاحتلال في فرحة قلما عاش الفلسطينيون مثلها.

بساطة المظهر والهندام لم تستطع إخفاء الهيبة والوقار التي تلمسها كل من شاهدكم، ومحاولات النيل منكم جسديًا لم ولن تمحي حبكم من القلوب، حيث وقفتما وسط المعركة في وجه اللهيب حين تراجع أصحاب الرتب والنياشين، رفعتما شعار النصر أو الشهادة، وكنتما تعملان للأولى وتتمنون الثانية.

جمعتهما سَنة الميلاد وذات الحي والمدينة وذات الدرب والطموح والمصير، اجتمعا على حب الله وتفرقا عليه؛ فحين سمعت من وسائل الإعلام خبر استهداف رائد قلت سيكون معه محمد فحسن ظني بالله أنه لن يفجع قلب أحدهما على الآخر.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة