محمد الدلو
محمد الدلو
145

الانتخابات الفلسطينية ومعركة استحواذ الجمهور

28/8/2016


منذ أن أعلن في منتصف يوليو/تموز الماضي عن موعد الانتخابات المحلية الفلسطينية بدا وكأن سباقا محموما قد انطلق لتوجيه الرأي العام عبر وسائل الإعلام، ولا سيما شبكة فيسبوك التي يبدو أنها باشرت الدعاية الانتخابية مبكرا، وكأنها تسابق الزمن لإقناع الجماهير والاستحواذ عليها، في حالة أقرب ما تكون إلى الريبة منها إلى الثقة بالنتائج المحتملة لخيارات الرأي العام الفلسطيني.

على الشبكة الزرقاء ثمة مشهدان تتنازعهما المنشورات الدعائية بين مؤيدي حركتي فتح وحماس، وكلاهما يميل إلى خطاب تعبوي للفت انتباه الجمهور نحوه، في صورة أقرب إلى الأذهان وتتقاطع في جوهرها مع موجات التراشق الإعلامي التي بدأت مطلع عام 2007 وبقيت نارها تحت رماد مصالحة سياسية لم تتحقق.

الانتخابات منحة إلى الأحزاب لإثبات النضوج المجتمعي، ولا بد من أن يتجسد هذا الوعي بسلوك القواعد الحزبية بما يمثله من انعكاس للموقف السياسي العام للتنظيم

يتمثل المشهد الأول بجمهور حماس الذي يجتهد في إعادة صياغة العقد الماضي عبر بث صور مجتزأة وفيديوهات متحيزة وإحصاءات تستحضر الأرقام والتجارب التي رغم صدقية بعضها فإن فيها من المبالغة ما يجعل من السلوك يبدو كعملية تضليل عبر حجب الجانب الآخر من صورة قاتمة تبدو فيها البلديات في عين العامة محطات جباية للأموال لا يقابلها تحسين أو تجديد في مستوى خدمات روتينية، وفي ذلك تتلاعب بالعقل الجمعي للمواطنين وقدرتهم على تقييم وقراءة الوقائع على الأرض، كتدني مستوى الخدمة الأساسية كالملوحة المفرطة للمياه، وغياب الإرادة في تنفيذ مشاريع إعادة بناء شبكات الكهرباء المهترئة، في مقابل منجزات جاءت استحقاقا لظروف سياسية كالمنحة القطرية لرصف الطرقات، وهذا إيهام بغياب القصور والتفاف الشارع بغرض نزع الشرعية عن الخصم المنافس.

وعلى النقيض يبدو المشهد لدى حركة فتح أقرب إلى تذكير العامة بالماضي البائس القريب، لكن المفارقة تكمن في أن من يقود الدفة الدعائية المبكرة ليس جمهور الحركة كما في "حماس" وإنما قياداتها التي لا تزال تعتمد على أساليب زرع بذور الكراهية في مخاطبة الرأي العام بمواجهة خصمها اللدود، فقيادات "فتح" وعبر منافذها الإعلامية لا تتوقف عن دعوة "حماس" إلى عدم استخدام الخطاب الديني وإنجازات المقاومة في استقطاب جمهور الناخبين، وقد تكون محقة في الثانية كون الحديث يدور عن مجالس محلية رغم أن الحدث سيكون مقياسا للمزاج الشعبي السياسي.

لكن "فتح" تتغافل عن خطاب التشويه الذي ينسب كل ما مرت به فلسطين من 2006 إلى 2016 من مشاكل وأزمات -ولا سيما في قطاع غزة- إلى "حماس"، وفي ذلك تجن وتساوق مع الرواية الإسرائيلية، عوضا عن حملات التهديد والوعيد المنظمة بسنوات عجاف جديدة لمآلات إعادة انتخاب "حماس"، ضغطا على عصب الجمهور الفلسطيني باسم المجتمع الدولي الذي يحذر من فوز الحركة الإسلامية، بغرض تكوين مشاعر خوف ورهبة من المستقبل في نفس الرأي العام لإعادة توجيه قدرته على الاختيار عبر وضعه أمام تهديد يواجهه شخصيا. ورغم غياب "حماس" عن مجالس الضفة المحلية تبدو أموال المانحين في عين قيادات "فتح" كسراب! ولم تشكل رافعة لتطوير الخدمات أو خروجا عن المألوف منها.

وإن كنت أميل إلى أن هذه الانتخابات ستكون ميزانا سياسيا للمستقبل ولن تغير من الواقع الخدماتي شيئا إلا أن التوظيف السياسي في المشهد الدعائي العشوائي بات أسلوبا مفضوحا ومستهلكا ولا يخدم أي طرف أمام الرأي العام الفلسطيني الذي يبدو أنه غير المتحمس لخوض التجربة، وقد تعطي أعداد الناخبين الذين أدرجت أسماؤهم حديثا في السجل الانتخابي دلالة على ذلك، إذ بلغ الرقم 69 ألف ناخب أي نحو 34.5% من أصل مئتي ألف، مما يعني أن نسبة المشاركة في العملية الانتخابية في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول قد لا تتجاوز هذه النسبة وفي أحسن الأحوال 50% من إجمالي الناخبين.

المطلوب هو تسويق انتخابي صادق ومتناغم مع الواقع دون تنميط مبتذل وخادع يتناقض مع ما هو متشكل في عقول الجماهير وقدرتها على إنشاء مقاربات موضوعية

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه إذا كانت هذه الانتخابات فرصة لتحريك ماء السياسة الراكد فإنها منحة إلى الأحزاب لإثبات النضوج المجتمعي، ولا بد من أن يتجسد هذا الوعي بسلوك القواعد الحزبية بما يمثله من انعكاس للموقف السياسي العام للتنظيم، أما إذا كان العكس فيعني أننا لم نستخلص الدروس بما كان وما يجب أن تكون عليه الأمور، وأن الأحزاب لا تزال تقود قاعدتها الشعبية على المغالبة لا المشاركة.

واللافت أن أغلبية الجمهور المؤطر يشعر بالمتعة إزاء الصورة السوداوية المرسومة عن الآخر أو تلك الوردية عن الذات، وهي عملية ضرب على وتر العاطفة لن تقود إلى تغيير مدني يخدم الجميع كما يرغب أي طرف، ولعل في الحالة اللبنانية التي عايشت مطلع العام انتخابات محلية عصفت نتائجها بتوجهات سادت لنحو 15 عاما حين حصد المستقلون 40% من الأصوات، ورغم اختلاف الحالة فإن ذلك يعطي مؤشرا للأحزاب على أن المزاج الشعبي قد يأتي بما لا تهوى الأنفس.

أعتقد أن المطلوب تسويق انتخابي صادق ومتناغم مع الواقع دون تنميط مبتذل وخادع يتناقض مع ما هو متشكل في عقول الجماهير وقدرتها على إنشاء مقاربات موضوعية بين العقد الماضي -حيث تشارك "حماس" بالعمل السياسي والخدماتي- وبين ما قبله.

ولا شك في أن للأمر تأثيرا على اتجاهات الناخبين الذين عليهم أن يدركوا أن دورهم لا يتوقف عند صندوق الاقتراع، وأن عليهم أن يعدلوا سلوكهم الاجتماعي -سواء على صعيد الرقابة أو المشاركة في الحياة المدنية- تحقيقا لمبدأ المسؤولية الاجتماعية.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة