محمود هدهود
محمود هدهود
2.9 k

سيد قطب وخداع التاريخ

30/8/2016

"يمثل سيد قطب الردة الرجعية في مسيرة الحداثة العربية، وتنبثق من أعماله منظومة التطرف الإسلامي التي نشهد فاعليتها اليوم في سوريا كما شهدنا ولادتها من قبل في أفغانستان. فعبر مفهوم الحاكمية الإلهية انتزع سيد قطب من الإنسان إمكاناته واختزله في مادة طيعة بين يدي الحكم الإلهي المطلق، فحوّله من غاية في نفسه كما رآه كانط، إلى أداة تجسد حاكمية الإله المتوهمة على الأرض" (الكاتب س في مقالة متخيلة بعنوان: خمسون عاما على رحيل سيد قطب).

 

تشبه تلك الفقرة -مع الاعتذار عن أي ركاكة غير مقصودة، وأيضا عن بلاغة فيها ربما تكون مفقودة في من يكتبون نحو ذلك- كثيرا مما يسطر على صفحات الصحف العربية المخصصة منذ انبعاث الربيع العربي للهجوم على الإسلام السياسي. قولبت تلك الصفحات سيد قطب، معطية إياه دور الشرير الأصلي في مسرحتها للصراع مع الإسلام السياسي.
 

في الواقع، لا تفتقر تلك النسخة التأويلية من سيد قطب إلى الموضوعية تماما. لكن في محاولة لاختبار، لا أقول موضوعيتها، وإنما: نجاعتها، سأحاول أن أتقمص كاتبا آخر في مقالة أخرى، ولكن هذه المرة، في رحلة عبر الزمن إلى الذكرى المائة لرحيل سيد قطب، يقول:
 

 سيد قطب تعرض للنقد الموضوعي ليس من قبل خصومه العلمانيين فحسب وإنما من قبل بعض المفكرين الإسلاميين الذين تعاملوا مع أفكاره في إطار منظومتهم الفقهية الصارمة

"يمثل سيد قطب ذروة مسيرة الإصلاح الديني، وعن أعماله انبثقت منظومة الإصلاحية الإسلامية التي توجت مسيرتها بتأسيس الديمقراطيات الإسلامية الحديثة التي نشهدها اليوم. فعبر مفهوم الحاكمية الإلهية، انتزع سيد قطب عن الأنظمة الاستبدادية هالتها القدسية، محررا الإنسان من نير التحكم فيه باسم أقانيم الدولة والوطن، ناظرا إليه كغاية في نفسه كما رآه كانط، كما يدل على ذلك فحوى الوحي الإلهي" (الكاتب ص في مقالة متخيلة بعنوان: مائة عام على رحيل سيد قطب)
 

لا تبدو الآن أي من الفقرتين أكثر موضوعية كثيرا من نظيرتها، وحتى إذا كان لدى القارئ قناعة أكبر بأيهما، فإن تلك القناعة إما أنها مبنية على حجاج ذي طابع أكاديمي خارج هذا التأويل الخطابي لأفكار سيد قطب، أو على تحيز أيديولوجي.
 

والمقصود من تلك المضاربة بين الفقرتين المتخيلتين ليس الدفاع عن سيد قطب أو التسامي به فوق معترك النقد والتحليل، فقد تعرض سيد قطب بالفعل للنقد الموضوعي، ليس من قبل خصومه العلمانيين فحسب، وإنما أيضا من قبل بعض المفكرين الإسلاميين الذين تعاملوا مع أفكاره في إطار منظومتهم الفقهية الصارمة.
 

المقصود هو أن تأويلاتنا تتساقط بعبثية أمام خداع التاريخ الذي يعيد هو أيضا تأويل/صناعة الشخصيات والأفكار في سردية تجعل منهم أبطالا للإصلاح الذي كانوا يمثلون في نظر الكثيرين أعداء له. وهو ما نراه اليوم في التجربة الأوروبية باعتبارها تجربة التحديث النموذجية.
 

فالتاريخ لا يكتفي برواية موضوعية للوقائع والأفكار في ذاتها، أي ما يمكن أن نسميه "التاريخ التحتي"، بل يجردها، وهو مكره الأدهى، ويصطنع منها صورة لها في وعينا بحسب ما أسهمت في تشكل ذواتنا لاحقا، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "التاريخ الفوقي".
 

و"التاريخ الفوقي" ليس تاريخا مكذوبا كما يحلو لهواة كسر الأصنام في عالمنا العربي تناوله، وإنما هو صورة مجردة لجانب من الواقع، وهي صورة لا مفر منها في بناء ذاتنا القومية.
 

يعلمنا هذا التاريخ الأوروبي الفوقي أن الإصلاح الديني كان خروجا من عهد هيمنة الكنيسة/المؤسسة الدينية/الحاكمية الإلهية على الإنسان إلى النزعة الإنسانية، وسيادة الإنسان، والديمقراطية.
 

لكن التاريخ التحتي يخبرنا أيضا بأن هذا كله لم يكن ورديا بهذه الصورة، بل تشكل عبر جدلية من الردات الأصولية التي تمثلت فيها جمهورية كالفن في جنيف سلفا تاريخيا لداعش
 

بينما فرض هنري الثامن وخلفاؤه باستثناء ماري، التي صبغت في التاريخ الفوقي بالدموية كونها لم تتماه مع التاريخ الوطني الإنجليزي وتاريخ التنوير، إصلاحهم الأنغليكاني بقوة الدولة التي مثلت أيضا سلفا تاريخيا للدولة المتغولة التي تشكل حياة الأفراد الخاصة، وهذا قريب مما حدث في فرنسا الغاليكانية.
 

الإصلاح الديني ليس خطة يمكن أن نضعها في زاوية ثم نفرضها وإنما استجابة لممارسات تكوّنها الصيرورة الاجتماعية نعمد إلى تفنيدها أو دعمها

بل إن التاريخ الفكري كذلك قد يعثر في سلفية الإصلاح الديني ولاهوته المحتقر للإنسان على أسس التنوير الحداثي، فمفهوم العقل العاجز عن إدراك الغايات، والذي يحتاج من ثم إلى نور الوحي الإلهي، الذي أتى به الإصلاح الكالفيني، يمثل في نظر بعض المؤرخين أساس مفهوم العقل الحسي المجرد الذي نراه لدى هيوم وكانط، والذي كان أساسا لرفض الوحي الإلهي هذه المرة
 

تدفعنا هذه الطبيعة الجدلية للتاريخ إلى أن نتعامل مع الأفكار والمواقف تعاملا مباشرا عينيا في سياقها، فالإصلاح الديني ليس خطة يمكن أن نضعها في زاوية ثم نفرضها، وإنما استجابة لممارسات تكوّنها الصيرورة الاجتماعية، نعمد إلى تفنيدها أو دعمها وتأسيسها مدفوعين أيضا برغبة مزدوجة:
 

- فهي من جهة رغبة في حماية الدين من أن يكون عدوا للإنسان ومن ثم الدخول في معركة سيخسرها الدين حتما بحكم ضغوط العلمنة.
 

- وهي من جهة أخرى رغبة في حماية الإنسان والأمة من وعي ديني زائف وبائد وقاصر لا مكان له في حياة إنسانية سوية في ظل ظرفنا الحديث.
 

لذا فإننا في الذكرى الخمسون لسيد قطب، من حقنا أن نفند أفكاره، وأن نشرح شخصه التاريخي بما هو شخصية عامة، ويبدو منصفا أن نفكر في ظرفه، لكن لا يبدو مفيدا أن نحمله مسئولية التطرف الديني اليوم، بل ربما يكون هذا أكثر دافعية نحو توظيف أفكاره في خدمة هذا التطرف.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة