أحمد عاشور
أحمد عاشور
2.5 k

أنا لست صحفيا

9/8/2016

الإعلام حياة لا مهنة

أمام شفاه تعلو وتهبط بسرعات مختلفة ونظرات لجالسين ومتقابلين تلف أعين بعضهم بعضا بمسح شامل ها أنا أكمل 12 عاما في الجزيرة اليوم كما كل يوم أسير بين أمواج من أبرع الألسن العربية، وقد قررت أن أنزع تعريفا عن نفسي.. أنا لست صحفيا.
 

في كافتيريا القناة جلست يوما بينهم، هربت من ماكينة العمل، وفي لحظة شرود شاهدت ظلا لغيمة سواد من دخان ملبد تجلس تحتها مجموعة بارعة انضممت لدائرتها، فقد سمعت أن الصحفي هنا أصدق ما يكون وهو في كافتيريا القناة، ففيها متعة تسرقك من العمل فتبسط رأيك مستمتعا بلحظات يوحى لك أنها من دون رقابة، وخرجت من أفواهنا أكوام من أسلاك النميمة نغزلها بيننا لم تقطع صفوها إلا رياح صفراء من الضحكات عصفت بالمقاعد.
 

يسعى للشهرة حتى إذا وصل إليها أخفى نصف وجهه بنظارة شمسية هربا من الناس، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الكاميرات كما القطط

لا يمكنني التراجع أو الهرب، إنه قانون هذا المكان، فنشرة الأخبار لن تبدأ قريبا، وعلي أن أمضي معهم نفس اللحظات بكل المجاملات، ها هو نجم النجوم قد أتى فاردا صوته الذي يسبقه بضحكات إعلامية متأنقا متمكيجا ضاربا بعلبة دخانه على طاولتنا مسلما فقط على من يختار ليكيد الآخرين، ولحظنا الجميل فقد اختار النجم طاولتنا ليغزل معنا أسلاك النميمة بعد أن عدل سلك السماعات المتدلية من أذنه، ونمد من الأسلاك أكثر، ثم تتعالى الضحكات.. وهكذا تستمر الحياة في كواليس الإعلام.
 

يحدثنا النجم عن محبوبته التي وصل إليها بعلمه وجهده، وهو متأكد أيضا من جماله، فهكذا وصفه محبوه في فيسبوك، أعرف أنها تعيشك في هالة من النعيم وريش من الغرور لحظة مقابلتك لها وجها لوجه تسجل لك كل بنت شفة وهو يحذر كل الحذر أن يتركها طويلا فتنساه.
 

وأستغرب ممن يقضي نصف عمره يكدح في الإعلام، يسعى للشهرة حتى إذا وصل إليها أخفى نصف وجهه بنظارة شمسية هربا من الناس، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الكاميرات -كما القطط- "غير مخلصة".
 

وراء مهرجان الشهرة هذا جرّب أن تجلس مع مذيع أو فنان واستمع لمئات الحكم من التجاعيد ثم لن يلبث أن يبتسم وينظر بصدق إلى ما أنجزه بـ"أخلاق" فقط، ولذلك يحب الناس من الإعلاميين من يجدونه بينهم ولا يضطرون للصعود إليه.

في مكان لا يتسع للكل تشتد المنافسة وتمارس، هنا نلعب كل أنواع السياسة حول فنجان القهوة، هنا يبارز الكل بالسلام ورد السلام كوسيلة للضغط أو كرمز يحدد أنواع العلاقات صباحا بين بني القلم، ولأن الصحافة أخلاق مرسومة بمثالية في عيون الطموحين ممن هم خارج أسوار المهنة كانت الصدمة وبداية الرفض للواقع بالمبادرة والتغيير، أردنا وما زلنا نسعى لصنع إعلام جديد بديل، ليس جديدا بالأدوات بل بالروح.

ثورة على مؤسساتنا الإعلامية كافة هو ما سيحصل قريبا، فالصفحات القديمة تطوى في كل المجالات في عالمنا العربي المتجدد، وهناك روح جديدة تسري في أمة العرب ستنعكس حتما علينا، في وقت ما زال البعض يحتكر الصحافة وكأنها منصب، أو هناك من أصيب بفوبيا جهل الجديد فيلهث تعبا خلف كل وسائل التواصل الاجتماعي من دون وعي بما يريد.
 

يبقى الأمل كبيرا بالمستقبل، فشعوب العالم اليوم هي من تعيد تعريف الإعلام

مجتهد فمتملق فصحفي فمذيع فمشهور يبحث عن متملقين آخرين.. وتستمر عجلة الفساد في عالم الإعلام العربي في الإنتاج، مهمتنا كانت تغيير العقول، فكرسي غرفة الأخبار لن يعود مغريا في المستقبل للتنافس بين الناشئين، والطريق بات مفتوحا للكل وبالتساوي، اصنع اسمك بنفسك.. وشكرا للإنترنت.

نشرة الأخبار بدأت.. ولا أدري من قرر أنه يجب أن نشاهد مجموع مآسي العالم في نشرة واحدة، خلق الله الكرة الأرضية مدورة "يختفي" جانبها عن الآخر.. وجعلتها النشرات مسطحة. 
 

نقلت لكم جانبا صغيرا من نكد الإعلام الذي نعشق، ولكن يبقى الأمل كبيرا بالمستقبل، فشعوب العالم اليوم هي من تعيد تعريف الإعلام، والصحافة تتحرر شيئا فشيئا طليقة خارج سلطة رؤوس التحرير والمال، الإعلام اليوم حياة تعيشها الشعوب لا مهنة، ولذلك قررت.. نعم قررت.. أنا لست صحفيا، أنا إنسان يعيش الإعلام.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة