عبدالله مودان
عبدالله مودان
1.5 k

متون الحياة

1/9/2016

في الفيلم الشهير The Shawshank Redemption يخرج بروكس من السجن بعد سنين طويلة ليجد نفسه عجوزا وبطيئا في عالم شاب وسريع، يحاول أن يتأقلم مع العالم بعمل توفره له إدارة السجن في متجر فلا يتمكن من ذلك، لقد كبر بروكس على مناورات الحياة وتحديات التأقلم، مزاجه أبهت من ألوان الحياة الفاقعة، صبره أنفد من الانتظارات والطوابير الأبدية من أجل الأشياء، فيقرر الانتحار في غرفة باردة بحبل علقه على عارضة خشبية نقش فيها: "بروكس كان هنا".
 

وفي سياق بعيد قريب، يخرج كارلوس ليسكانو من السجن بعد سنين طويلة أيضا ليجد نفسه صغيرا أمام مارد الفوضى، وكئيبا في عالم لم ينتظره وهو في زنازين العسكر واستمر في التقدم، لكنه لا ينتحر، وكارلوس الذي عرف نفسه مبكرا ككاتب، يستمر في الكتابة رغم القلق، وفي غياب الحب، وفي ليالي مونتيفيديو الطويلة القاسية، منتظرا شيئا تُدنيه آماله، وتُقصيه شكوكه، ويكتب:

النزوع للجمالي هربٌ من الجدي ومن اليومي المتغير، ويبرز دائما سؤال عن الأدب وقدرته على التغيير والتطويع وفرض الحقائق.

"من ليلة إلى ليلة، أنتظر أن يحدث شيءٌ. أعرف أنه ربما لن يحدث، ولكنني إن لم أنتظر فلن يحدث بالتأكيد. وبحلول ليلة جديدة مماثلة لسابقتها، لم يحدث فيها شيء، أدرك أن ما حدث حقا هو أنني على مرّ تلك الساعات التي مضت قد انتظرت، وهذا في حدّ ذاته شيءٌ، إنه الجسر الذي يسمح لي بالعبور من ليلة إلى أخرى، إذ أن ثمّة ليالٍ أسوأ ؛ ليالٍ بلا انتظار".

كارولس ليسكانو يجد طريقه في الفوضى نحو "قصر الطاغية" ويشير إليه صائحا بالناس، ويجرّد نفسه في "الكاتب والآخر" معترفا أن "من المعركة ضد الفوضى يولد الفن".
 

يُقال إن النزوع للجمالي هربٌ من الجدي ومن اليومي المتغير، ويبرز دائما سؤال عن الأدب وقدرته على التغيير والتطويع وفرض الحقائق، والإنسان المعروف دائما بحبه للثنائيات؛ الجسد مقابل الروح، والحياة في مواجهة الموت، يجعل الجمالي ضد السياسي أو العسكري أو حتى المعرفي، ويغفل أن الثوار في طريقهم للمعارك كانوا ينشدون قصائد حب وحماسة من عصور أخرى، وأن العالِم قد يترك دفاتره من أجل مقطوعة موسيقية حملتها الريح عبر النافذة، وأن "بيل كلينتون" مثلا سار نحو البيت الأبيض على بساط ريحٍ خرافي اسمه "مئة عام من العزلة".
 

الكثيرون يتوسلون بالآداب ليقاربوا بها الحياة، أحد أصدقائي قرأ النسخة الضخمة من "البؤساء" بعد وفاة والده ليفهم حزنه، آخر يقرأ في كل سفر لبلد جديد كتابا للشيخ العبودي، أما أنا، ففي زيارتي اليتيمة لنيويورك مع صديقين عزيزين، كنت أقرأ قصيدة إيليا "وداع وشكوى" والتي كتبها في طريقه النهائي لنيويورك، تاركا الشرق وراء ظهره.
 

لست قارئا رائعا بحال، فكما الملايين يُشغلني واجب العيش كثيرا، لكنني أُساءل أحيانا عن الروايات، لماذا أقرأها، وأنا أقرأها لأمدد الحياة. هناك عالمٌ بعيد شكّلته لدي الروايات، عالمٌ يحترم الفضيلة، ويقدر قيم العدالة والكرامة والحرية، ويأخذ الحب على محمل الجد، عالمٌ يكون فيه "جان فالجان" حقيقيا، ويتعرف فيه "حي بن يقظان" على الله كما فعل لاحقا "روبنسون كروزو"، ومن ذلك العالم أغترف الكثير من المفاهيم التي أعيش بها حقيقة.
 

والمسيري يذكر قصةً طريفة عن ابنه الذي سمع في برنامج تلفازي أن البشرية راكمت من القنابل النووية ما يكفي لتدمير العالم عشر مرات، فقال ابنه: لماذا عشر مرات، بينما تكفي مرة واحدة لتدميره ؟ وحين أتذكر هذه القصة أستحضر رواية عائلة السيد روبنسون، والتي غرقت سفينتهم في طريقهم لأستراليا، وانتهى عالمهم القديم في جزيرة مجهولة، ليستأنفوا فيها الحياة والحضارة من جديد، وأعترف أنني قد أستفيد من هذه الرواية فيما لو قرر العالم السير في طريق الجنون المدمر لأقصاه -كما يفعل حاليا-.
 

والآداب حفظت التواريخ المهملة، والأحداث التي لم يكن سيسمع بها أحد، سواء، كما أرخت للأحداث العظام. مرة في فصل للغة الإنجليزية سألتُ المعلمة الآيرلندية عن قصة جاك السفاح، والذي راجت شهرته كقاتل متوحش لبائعات الهوى في أزقة لندن، فقالت إن هناك تضاربا حول الرواية الرسمية، بين أنه مغتصب مجنون، أو رجل يقتل كل من تشبه أمه التي أساءت له بتركها له صغيرا، غير أن هناك أغنية لا تزال محفوظة في الذاكرة الشعبية تقرر أن جاك السفاح هو طبيب ملكي، قتل هؤلاء الفتيات، وإحداهن كان أحد أفراد العائلة الملكية يرغب الزواج بها، ليجعل الأمر يبدو وكأنه سلسلة قتل لمجرم مصاب بالذُهان، وتقول إن هذه الأغنية ربما تكون الرواية الصحيحة!
 

كما أن الشعر حفظ الأحداث والأسماء والتاريخ، فلإيليا أبي ماضي قصيدة بعنوان: سقوط بورت آرثر، يسرد فيها أحداث معركة ضارية بين اليابانيين والروس، ويمتدح بطلا اسمه "نوجي" بأبيات عصماء، يتمنى كل قِرمٍ وبطلٍ لو قيلت فيه:

"رجلٌ دونه الرجالُ مقاما
مشبهٌ في الأنامِ بيتَ القصيدِ
كل سيفٍ في غير قبضةِ (نوجي)
فهو عند السيوفِ غيرُ سعيدِ"
 

في عالم أقل تبلدا من عالمنا، كان يمكن لصورة "عمران" أو "إيلان" أن تحرك العالم ليضطلع بأمر العدالة والكرامة والحرية، ولكن..!

وتستمر القصيدة في سرد أحداث معركة ذهبت وولت، وانتهت بعدها الحرب العالمية ومات الخصماء فيها والحلفاء والأعداء، بينما ظلت القصيدة تسترجع أحداثها للاحقين، ولمن يريد استلهام عبر من الماضي.
 

الآداب والفنون متون للحياة، لا هوامش لها، وفيها ينصح الماضي الحاضرَ، ويتحدث الجد للحفيد. في هذه المتون تتكئ رغائب الإنسان، وتحتبي أفراحه وخيباته، وفيها يضحك التاريخ ويبكي، وكل ما حدث بعيدا عن أعين المراقبة حفظته الأحبار الباهتة، والصحائف المغبرة، والمدن تبلى ويبقى صوت القصيدة صادحا بها يدعوها للقيام، وفيها رغبة متقدة للإصلاح والتغيير. ففي عالم أقل تبلدا من عالمنا، كان يمكن لصورة "عمران" أو "إيلان" أن تحرك العالم ليضطلع بأمر العدالة والكرامة والحرية، ولكن..
 

ذات يومٍ، تساءل "غازي القصيبي" عن فاعلية الشعر، وقدرته على البقاء والتغيير ..
"ما الذي يفعله الشاعرُ في وجهِ البنادق ؟"
عن هذا السؤال يُجيب مشهد موت الشاعر لوركا: لا شيء. ففي مشهد ينضح بالمجاز مات لوركا ببساطة، بعد أن كان واقفا أمام البنادق يردد آخر قصائده:
"ما الإنسان دون حرية يا ماريانا ؟
قولي لي كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حرا ؟
كيف أهبك قلبي إذا لم يكن ملكي ؟"
 

وهكذا يا غازي مرت سنين طويلة، صدئت فيها البنادق، وماتت فرقة الإعدام، لكن كلمات الشاعر لم تمُت، لأن الآداب تنتصر ببطء.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة