عبيدة عامر
عبيدة عامر
632

الملحمة (٣).. تمر العيد و”الحياة الطويلة”

14/9/2016
لا فرق بين يوم العيد ويوم الحرب على شباب الجبهات إلا بضعة تمرات، وتغير لحن تكبيرات الاقتحام إلى تكبيرات الاحتفال، مهيجة الذكريات والأشواق إلى كل ما تركه الشباب: أبا أو أما أو أخا أو حبيبة أو زوجة أو ابنة؛ اختاروا عليها شعث الخندق وغبار الجبهة، معزين أنفسهم بقليل من العطر فوق تراب الأرض، ونشيد الأنس فوق القصف الروسي والمدفعي.
 

لا اجتماع لهم، في العيد، إلا في جنازات الشهداء، ولا حلو إلا في تمرات الجبهة، ولا جديد إلا في الأسماء القادمة من جبهات الرباط، والإصابات المتجددة مع المتشظي والعنقودي والفراغي، لنحفظ مكاننا في الزمان، واسمنا في التاريخ، ونشق البسمة شقا من فرحتنا المحمية تحت راياتهم وبنادقهم وشباب أيامهم.
 

ترك أبو حذيفة الخطيب، حذيفة وأخّين له وأمهم في تركيا، ولم يستطع أن يعطيهما قبلات ثلاث للعيد، عندما سرقت ثلاث شظايا جسده.

يروي لي عقبة، الذي يشبه الأرض، سمارا ودفئا وعنفوانا وسعة، والتي تعرفه كما يعرف جبهاتها، عن يومه الأول في عيد الجبهة، الذي انتزعه من وحشة الأمن ونعومة الفراش، عن لقائه بـ"شلته"، التي لم تكن في مول أو على شاطئ أو في مصيف، بل كانت في جنازة صديقهم الشهيد: أبو "حذيفة الخطيب" الحامض، بعد أن خمر شوقه في القلب على أمل.
 

شلة عقبة العشرينية، عمرا، التي لم يرها منذ أقل من شهرين فقط، لم يبق منها من أصل ١٢ شابا سالما، سوى شابين اثنين، والباقون مصابون، ببتر أو قطع أو شظية - ذلك أن العالم لم يلتفت لتقارير هيومن رايتس ووتش عن العنقودي، ولم ير أفاعي النابالم تشق سماء البلاد يوميا، من سكرة الفودكا الروسية والبيتزا الأمريكية -، ولا زالت تقسم بدم أبي حذيفة، ومن سبقه، أن تكمل الدرب، ولو بساق واحدة، وتحمل البندقية، ولو بإصبعين، وتحفظ الدم بالدم، وشواهد السابقين بشهادات القادمين.
 

الشهيد أبو "حذيفة الخطيب" الحامض نفسه، الذي حصل الاجتماع على دمه، كان سمى بكره على اسم صديقه الشهيد، حذيفة الخطيب، كاملا، والذي ترك دراسته للكيمياء في طرطوس بعد أن وصلته "شهادته"، وشق بندقيته شقا من الأرض، حين كان السلاح نادرا - في عام ٢٠١٢ - مثل ليالي حلب الهادئة اليوم، ولم يكن يهدأ ليكون اللقاء، فأبو حذيفة وعقبة وكل واحد من الشلة "الشلة"، كما يصفهم عقبة بكلماته في جنازته "رجل أعمال مقدسة، يطوف البلاد مغبرّ الأقدام أشعث المظهر، متأنقاً ببندقيته ورصاصه، يسكن الخنادق ويعاشر الحتوف، يعتذر في اللحظة الأخيرة -كعادته- أن له خندقاً يحفره أو مستراً يرفعه، أو عدواً بالنار يدفعه"، إلى أن ذاب في ما عاش لأجله، شهيدا لأجل أرضه، على جبهة الـ١٠٧٠ شقة، فـ"الأقدار محكمة والشوق يعرف طريقه جيدا"، كما يقول عقبة.
 

ترك أبو حذيفة الخطيب، حذيفة وأخّين له وأمهم في تركيا، ولم يستطع أن يعطيهما قبلات ثلاث للعيد، كما لم يستطيعوا أن يعطوه قبلة الوداع الأخيرة، عندما سرقت ثلاث شظايا، في صدره ودماغه وخاصرته، القبلات الثلاث لأبنائه، ائتمنها لعشرينيي البلاد المعفرين، الذين يعرفون عيدهم بتمراتهم، لا يكادون يذوقون حلاوتها حتى يلقوها، فهم إن انتظروا حتى يأكلوها: "إنها لحياة طويلة"، ونعرف نحن، يقينا، بحلاوة تمراتهم المسروقة من مرارة الأيام، وأعيادهم المسروقة في غبار المعارك، أنها صارت كذلك، حياة طويلة، بفضلهم هم وحدهم لا سواهم.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة