أحمد الزعبي
أحمد الزعبي
3.6 k

حواس العيد

17/9/2016
تعودنا منذ الصغر أن أفراحنا غير معمّرة ..والعيد ضيف ملول يرحل من نصف النهار ويتركنا في ملابس البهجة المؤقتة...رائحة القهوة المغلية لم تزل في المطبخ تصافح لحظات العيد، أصوات الخراف تنطلق من بيوت الجيران في "ثغاء" غير مسؤول،هي لا تعرف ما الذي سيحدث لها بعد أن ينهي أصحابها مشهد اللطف والثياب الأنيقة والعطور وابتسامات المجاملات للزائرين.. أجراس المنازل تقرع بين رواد العيد، والأطفال في الشوارع مهرجان ألوان يطوفون بين البيوت كمبعوثين أمميين لصلة الرحم.

ما الذي يمكن أن يفعله الأطفال في منتصف العيد، بعد أن يعلّم شكل الحزام المشدود على الجلد الرقيق وتنتفخ الجيوب بورق الحلوى وقليل من النشوة والنقود، ما الذي يمكن أن يفعله الأطفال في منتصف العيد بعد أن تصبح الملابس المخبأة منذ يومين شيئاً عادي الحدوث، والخروف الذي أحدث جلبة فور دخوله بوابة الدار، ها هو صوفه الملطخ بالدم يرتاح ببرود تحت الشجرة...إذن بما أن الفرح مستأجر فلنكمل دورة الاستئجار تلك.

أبناء الطبقة المتوسطة ودون المتوسطة لم يكونوا يبالغون في الأحلام، لذا تورّطهم في أمنيات الامتلاك نادر الحدوث، هو ينصاعون لطفولتهم ضمن الممكن، هكذا تعلّموا في أول درس من أبجديات الفقر، ونظرية "الرجلين واللحاف" الشهيرة...فقط أغنى أبناء الحي من كان يملك دراجة هوائية يخرجها في مناسبات محددة، يستعرض بها بين البيوت، يزيّنها ببعض الريش والألوان الزاهية تحت الكرسي وعلى القفص الخلفي، كان يضع بعض قطع الإسفنج بين أسلاك الدولاب الواحد، وعندما يمضي بها كانت ألوان الإسفنج تدور بسرعة كبيرة لتعطي جمالاً يخطف الأبصار..احمر أزرق أصفر ...أحمر أزرق أصفر..وعندما تسرع العجلة تصبح مثل لون ثوب ذلك الراقص في المولد..دائرية وملونة وسريعة الالتفاف..وفيها شيء من العيد.

الامتلاك شيء وان تفعل مثل ذلك الفتى الارستقراطي شيء آخر، الفقير أيضا يستطيع أن يصنع فرحاً يشبهه لكنه لا يمتلكه ولا يستطيع أن يخبأه في غرفته أو تحت وسادته، هو فرح على سبيل الاستعارة، يحقق الطموح للحظات ثم يغيب، تماماً كالمبيت ليلة في الفندق لن تستطيع أن تأخذ كل هذه الرعاية وهذا الدلال معك إلى البيت.
يحل ليل العيد باكراً..نسوّي وسائدنا للنوم الباكر وقد أخذنا جرعتنا من "نيوكتين" السعادة...تطوف حول حواسنا مفردات العيد القليلة

لذا كنا نحصي ما رسي في قاع جيوبنا من قطع معدنية،نعدّها،ثم نتوجّه بشكل جماعي - أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة - إلى محل لتأجير الدراجات الهوائية..ندفع له مقابل ركوب الدراجة لبضعة دقائق..وللأمانة كان الرجل دمثاً ويضبط ساعته على توقيت فقرنا...كان يخيّرنا بين التأجير على المدة أم على الجغرافيا ؛المدة لك خيار الذهاب أينما شئت في الدراجة، مكانك مفتوح وزمانك محدد ...أما الجغرافياً فعليك أن تلتزم في حدود المنطقة التي تقع تحت ناظري المؤجر

لا يريدك أن تسرف في الفرح كثيراً حتى لا تعتاده، لذا مكانك مغلق وزمانك مغلق أيضا...الخيار الأول خيار "الزمن" كان للطبقة الأرستقراطية من بين طبقات الفقر، أما خيار "المكان" فكان للطبقة الفقيرة من الطبقات المتوسطة ..لاحظوا أن نظرية "الرجلين واللحاف" لاحقتنا هنا وطبقت ولكن بتجزيء أكبر...وبهذا التجزيء الجديد يكون للفقر ألوان طيف جديدة أو ألوان عجلات ذلك الفتى الغني التي كانت تصيب أعيننا بالدوار كلما زادت سرعته.

هذه النشوة المدفوعة مسبقاً،تنتهي سريعاً ..ينفد المكان تحت العجلات ويتبخر الزمن..فنسلم الدرّاجات إلى صاحبها ليسندها إلى الجدار بانتظار الباحثين عن الفرح،في طريق العودة نتساوى من جديد في المسير..بأحذية أعمارها من أعمارنا تقريباً وبأحلام مستعملة أعمارنا من أعمارها تقريباً.

يحل ليل العيد باكراً...نسوّي وسائدنا للنوم الباكر وقد أخذنا جرعتنا من "نيوكتين" السعادة...تطوف حول حواسنا مفردات العيد القليلة، رائحة القهوة الصباحية ،نداء الخروف الأخير تحت الشجرة ..وألوان عجلات الفتى الغني الملونة ...والفرح المسلّم لصاحبه فور انتهاء حصته المقررة...هذه حواس العيد.
كلمات مفتاحية: العيد، فرح، بهجة، أطفال، لعب،

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة