محمد عصام الغائب
محمد عصام الغائب
2.1 k

أنا أدوّن.. رسالة إلى مصحح اللغة العربية

30/9/2016
كنت في الخامسة عشر من العمر..
وكان مساءً صيفياً يمرّ على حارتنا البسيطة جنوب دمشق وككل مساء.. يعجّ الحي بأصوات أولاده وهم يلعبون كرة القدم جارةٌ هنا وأخرى هناك وأحاديث لا تنتهي..
ومن نافذة الغرفة أتابع مسلسل حارتنا اليومي الممل ... ولكنه يومها بالذات كان يفي بالغرض!
يشغلني قليلاً عن التفكير بالساعة السادسة..

موعد صدور نتائج التعليم الأساسي (المرحلة الإعدادية)
قد لا يكون من المهم بالنسبة لكثيرين من أبناء جيلي أن يحرزوا علامة كاملة في امتحان الشهادة الإعدادية أو الصف التاسع ويدّخرون كثيراً من الجهد للامتحان الأكبر بعد ثلاث سنوات في الشهادة الثانوية.. ولكن بالنسبة لي كان هذا امتحان أمام كثيرين.. أمام نفسي.. أمام عائلتي.. أمام اصدقائي وكثيرين ممن انتابهم شيئاً من الفضول لمعرفة علامتي.

لم أعرف عن الفراهيدي أكثر من اسمه ولكن أن تجد كل نصوصك المصححة ممهورة بذاك الاسم شيء يدعو للسرور " يدعوني للسرور على أقل تقدير "..
وكعادة مواعيد صدور النتائج صدرت قبل السادسة ببضع دقائق.. سمعت زغاريد ومباركات حتى قالتها أختي : " ينقصك 3 علامات فقط " قالوها ظنّاً منهم أنّ بهذه الطريقة قد أتلقى العلامة بشكل أفضل..

فعلاً كانت ثلاث علامات فقط.. ولكن لطالب مثلي كانت 3 حواجز.. 3 حفر سقطت فيها واحدةً تلو الأخرى! بسذاجة متفوق بكيت وندبت هذا الحظ مراراً أنني لن أكون مع أوائل الوطن في مأدبة "القائد" الذي يكرمهم بها كل عام!

ولم يزد حرقتي حرقة إلّا أنّ العلامات الثلاث كانت بمادة اللغة العربية.. تلك المادة التي كنت أدرسها بشغف لحبي الكبير للشعر والأدب..
 
المادة التي تفننت في كتابة نصوصها التعبيرية حتى ابتكرت طريقة بدائية تميز نصوصي؛ فلقبّني أستاذي على إثرها بالفراهيدي ولأكون صريحاً شعرت بفخر كبير جداً رغم أنني لم أعرف عن الفراهيدي أكثر من اسمه ولكن أن تجد كل نصوصك المصححة ممهورة بذاك الاسم شيء يدعو للسرور " يدعوني للسرور على أقل تقدير ".. 

مضت 3 سنوات تخللتها ثورة الكرامة.. التي جعلت مني شخصاً آخر
لم أعد فقط ذلك الطالب المتفوق الذي كان هدفه الأكبر أن يحقق علامة كاملة.. بل أصبحت أهدافي كأهداف تلك الثورة بحجم الوطن!

ورغم محاولاتي الإضرابية عن الدراسة كجزء من الحراك الثوري كان لزاماً عليّ في النهاية أن أدرس وأدخل امتحانات الثانوية... المصيرية إن صح القول!
كل تلك التغييرات التي طرأت عليّ لم تمحو منّي عنادي تجاه هذه المادة فدخلت امتحانها عازماً أن أنال درجةً كاملة .. أو أكثر!

وفي سؤال الموضوع التعبيري لم أكن قادراً على التصرف كالطالب ذاته قبل 3 سنوات بل فرضت الثورة نفسها على كلماتي فكنت أحاول أن ألمّح لما يجري بطريقة أو بأخرى بكلام بين السطور يعكس هويتي وموقفي علناً ؛ الشيء الذي ربما لم يعجب مصحح ورقتي آنذاك فما كان منه إلا أن حذف خمس علاماتٍ أجهل سببها " القطعي " حتى اليوم..

وفي فرصة أخرى بامتحانٍ تكميلي دخلت أشد عناداً وكلّي ثقة بأن " الثالثة ثابتة " ولكن السيناريو نفسه تكرر وبالخمس علامات ذاتها واجهت نتيجتي ....
أحسست يومها بالهزيمة وأنني لست ندّاً لهذه المادة!
ولكن عناد الثورة عنادي ... دفعني لأعود للغة بعيداً عن مناهجهم وتقييمهم وحتى كتبهم
وأخذت أقرأ وأقرأ وأقرأ..

اليوم أكتب لنفسي لأثبت لها أن تلك الهزائم لم تكن سوى جولات قد أكون خسرت بعض منها و لكن ... وفي الحرب الحقيقة أنا المنتصر..
قصائد.. روايات.. كتب.. خواطر وحتى مدونات أو منشورات لمشاهير التواصل الاجتماعي تناقش قضية ما.. وما سهّل الأمر أكثر حرية التعبير أو بالأحرى عدم الخوف من التعبير الإلكتروني الذي رافق صرخات الحرية في الشوارع..

وبدأت أكتب في مساحتي الخاصة حيث ليس هنالك من يحذف علامات أو يضيف أخرى.. حيث هناك ناقد ناصح لا ناقد حاقد..

واليوم أكتب لمصحح ورقتي لأشكره وإن ظلمني.. فتلك العلامات الثلاث والخمس لم تعد تهمّني؛ اليوم أكتب لكل طالب علّق مستقبله بعلامة يضعها أشخاص قد لا يكونوا الكفؤ لذلك، فلتحرر نفسك من زنازين الأرقام والعلامات تلك فدماغك وتفكيرك لا حدود لهما..

اليوم أكتب لنفسي لأثبت لها أن تلك الهزائم لم تكن سوى جولات قد أكون خسرت بعض منها ولكن..وفي الحرب الحقيقة أنا المنتصر..

عزيزي المصحح شكراً؛ فبسببك أنا أحبّ لغتي خارج المنهاج! فقد غدت أجمل ما أخذت معي في غربتي..

شكراً لأنني أقرأ اليوم كثيراً وأسعى أن أكون كاتباً وقارئاً أفضل يوماً بعد آخر..
شكراً لأنني لم أكن في تلك المأدبة وأشارك قاتل أصدقائي المستقبلي الطعام أو أصافح يداه المتعطشة للدماء أو ربما التقط صورة معه قد تجعل من دفتر ذكرياتي النقيّة أسوداً ما حييت.. شكراً فبسببك اليوم أكتب..
على الجزيرة بالذات اليوم أنا أدوّن.. فشكراً..

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة