مؤمن محمد صلاح
مؤمن محمد صلاح
483

الناس في عزلة

9/9/2016
يزداد العالم فرقة، وتزداد الناس عزلة، ما بين ضغوط الحياة المادية وبين الطفرة التكنولوجية التي تحدث في كل ثانية من العالم، يزداد الناس في القرب من البعيد ويبتعدوا عن القريب، ولا أدري أكان هذا القرب من البعيد قربًا حقيقيًا أم قربًا وهيمًا يتلاشى مع الأيام.

قضت وتيرة الحياة المادية السريعة أن تجعل الناس أكثر عزلة عما كانوا عليه في السابق فقد تجد إخوانًا يسكنون في منزل واحد ولا يرى بعضهم البعض بالشهور وتجد من يقطنون عمارة سكنية واحدة لا يعرفون بعضهم البعض بل قد تجد بعض الناس لا يلقون السلام إلا على من يعرفونه فقط.

أصبح الناس في روتين يومي متكرر، كل صباح يذهبون إلى أعمالهم المعهودة ويؤدون المطلوب منهم من أعمال في حيز التعامل المتكرر، وينتهوا من أعمالهم ليعودون إلى منازلهم ويتكرر المشهد كل يوم بنفس الوتيرة، وأصبحوا يقابلون أهاليهم في المناسبات والأعياد وبعضهم لا يفعل، ويّدَعون بأن الدنيا شغلتهم، وأصبح بين الناس صعوبة في صلة الأرحام وزادت قسوة القلوب، حتى أصدقاء الطفولة والجامعة عندما يتخرجون وينشغل كل واحد منهم بحياته ينقطع تدريجيًا عن أصدقائه الذين كان لا يتخيل الحياة بدونهم.

زادت البيوت صمتًا بعد أن دخل كل شخص في عزلته مع جهازه المتنقل بين التواصل والتصفح في صمت لا ينطق إلا عند الضرورة
مع كثرة الصدمات في الناس وتلقي كل يومًا صدمة مفاجأة من شخص مقرب حدث لدى بعض الناس خوفًا وعزلة اجتماعية أصبح الكثير يفضل الجلوس في منزله والبعد عن كل ما يعكر صفو حياته، بل أصبح بعض الناس يزدادون الشك فيما بينهم وزاد التعميم بالسوء على الكثير، وهذا لا شك أنه يؤثر على المجتمع كافة، بالإضافة إلى المشاكل النفسية التي يعيش فيها البعض مما قد تسبب للبعض عزلة اجتماعية وخوفًا من الاقتراب من البشر.

والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، إلا لو كان في الاختلاط شيء يضر المرء فإن بذلك تكون العزلة أفضل، ومن ثمرات الاختلاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الأرحام والقرب بين الناس، ورحم الله الشافعي حين قال الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء، والانقباض عنهم مكسبة للعداوة ، فكن بين المنقبض والمنبسط.

ولكن زادت البيوت صمتًا بعد أن دخل كل شخص في عزلته مع جهازه المتنقل بين التواصل والتصفح في صمت لا ينطق إلا عند الضرورة، يسأل ويطمئن على من يتواصل معه ولا يسأل ولا يعرف شيء عمن يعيشون معه في نفس البيت.

لا شك أن الانعزال في الأصل سببه نفسي وجاءت إلينا برامج التواصل لتجعل كل شخص منعزل مع نفسه، فأصبح يرى راحته فيما يتابع وفيما يعزله عن البشر من حوله فأخذ من ذلك طريقًا سهلاً للراحة والمتابعة اليومية فضلاً على أن الكثير يبحث عن هدف معين من خلال ذلك بعضهم يبحث عن الثناء في التواصل وبعضهم يبحث عن الحديث مع أي شخص غريب يبوح له بأسراه ويتركه،
ومن أسوء ما قدمت لنا برامج التواصل هو السماح بنشر معلومات من هنا وهناك غير صحيحة خاصة في الأمور الدينية فأصبح البعض منا يعتمد على توثيق معلوماته من هذه الصفحات الغير مضمونة وهنا ظهر بعض الشخصيات التي سميت بمشاهير التواصل الذين يقومون بشرح الدين للناس ولكن بطريقتهم فكثيرًا من أقوالهم مخلوطة وفوضى في فتواهم.

أتوقع أن يزداد الناس عزلة ويزدادون تباعدًا مع زيادة التكنولوجيا وزيادة اختلاف وجهات النظر والانقسامات التي تحدث كل يوم في المجتمع
إنني تعجبت يومًا من حجب بعض الدول الكبرى لبرامج التواصل مثل دولة الصين ولكن مع مرور الوقت أيقنت أن هذه البرامج أكبر خطر على الأمة الإسلامية من أعدائها عندما أصبحت هذه البرامج إدمان لبعض الشباب وتسببت في هدر الوقت دون فائدة تذكر.

والجدير بالذكر أن مصر احتلت المركز الأول في الشرق الأوسط في استخدام الفيس بوك تليها السعودية، وليس ذلك إلا أن أصبح المجتمع كثير الفراغ يبحث عن ما يشغله من أخبار مستهلكة تشغل أوقات الشباب دون عمل أو إنتاج سواء في الأمور الدنيوية أو الدينية، فلو حسب الشاب عدد الساعات المهدرة في التصفح في هذه المواقع وأبدلها بساعات عمل نافع لتغير الوضع على المستوى الفرد والمجتمع.

وبالرغم من كل ذلك أتوقع أن يزداد الناس عزلة ويزدادون تباعدًا مع زيادة التكنولوجيا وزيادة اختلاف وجهات النظر والانقسامات التي تحدث كل يوم في المجتمع ولكن الأهم من العزلة والاختلاط أن يكفوا الناس عن أذى بعضهم البعض وأن ترتقي الأخلاق بين الناس

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة