علي حميدي
علي حميدي
501

في مثل هذا اليوم ولدت.. ومات الوطن

9/9/2016


في مثل هذه الأيام في بداية ثمانينيات القرن المنصرم كانت الولادة ما تزال تحتفظ بكل أسرارها إلى لحظة الوجود، تخبئ مفاجأتها الكبرى على وقع خفقان القلوب، لتصنع دهشة لا مثيل لها، أما اليوم فاللحظة تلك ما عادت تحمل الدهشة ولا ذاك الزخم من المشاعر والتوق، فكل الأسرار يكشفها جهاز اختزل حديث الأمهات وخبرة الدايات والقابلات يخبر عن جنس المولود وصحته وجميع تفاصيله...كل شي تغير!.

وتجاوزت سيارة الإسعاف التي كانت تحملني نقطة إطلاق النار ووصلتُ المشفى برفقة أمي

في مثل هذه اليوم في بداية ثمانينيات القرن المنصرم كانت تشهد حلب في سوريا إطلاق عناصر يتبعون "عصابة الأسد" النار على سيارة إسعاف تقطع الشارع الممتد من ساحة سعد الجابري باتجاه محطة بغداد، أطلقوا النار عليها من أمام الحديقة العامة، أما في هذه الأيام فذات العصابة "عصابة الأسد" تطلق النار وترمي القنابل والبراميل المتفجرة وتقصف بالصواريخ المحملة بالرؤوس الكيماوية كل شيء يتحرك في حلب وسوريا الثائرة... كل شيء تغير!.

سيارة الإسعاف تلك كانت تحمل أمي، تلك التي كانت تحملني في أحشائها، ولم يكن خيارها أن تُحمل إلى حلب لتضع مولودها الأول، إذ إن المدينة وقتها كانت محاصرة ومخنوقة كما اليوم من قبل فرق الأسد العسكرية، يقتل فيها الناس عشوائيا ويدفنون أحياء، وكان عسكر العصابة يجوبون المدينة بحثا عن أي أحد لقتله، بحثا عن لحية أو حجاب.

بحثا عن شماعة سموها تمردا على حكم العصابة التي عرفت في تلك الفترة مفصلا خطرا كاد يطيح بأحلام الطائفيين الذين اغتصبوا حكم البلاد وجيروها لمصالحهم وطائفتهم، فما كان من الأخ الصغير الذي أراد حماية حكم أخيه، إلا أن عاث قتلا وتدميرا وانتهاكا في الشام، قبل أن يصاب بحمى الألوهية التي دفعته للانقلاب على أخيه وفي كليهما شر مستطير..

لم ينجح الانقلاب وظل أخوه جاثما على صدر سوريا..وتجاوزت سيارة الإسعاف التي كانت تحملني نقطة إطلاق النار ووصلتُ المشفى برفقة أمي ، لم يكن حولها الكثير من المرافقين كما كانت عادات الولادة في بلادنا، فالقابلة في بلدتنا نصحت بنقلها لأقرب طبيب وأقرب طبيب طلب نقلها على جناح السرعة إلى أقرب مشفى وأقرب مشفى كان في حلب.

غيرت طلقات عناصر الأسد مسار سيارتنا لنصل مشفى فخما يؤمه الأثرياء، فيه كانت صرختي الأولى ...ولدت كما محمود درويش مصادفة بلا زفة و بلا قابلة، لكنني لم أولد إلى جانب البئر والشجرات الثلاث، ليس لأنني من عائلة ثرية بل لأن الوطن كان يحتضر كما أمي، أمي نجت...لكن الوطن مات.

مازلت حيا لأشهد المجزرة وقد منت عليّ الأقدار بالغربة الطويلة حتى لا أرى بأم عيني التي تفتحت في حلب دمارها وحريقها

في مثل هذه الأيام في بداية سبعينيات القرن المنصرم بدأ الوطن يحتضر مع وصول الأسد وفي مثل هذه الأيام في الثمانينيات مات الوطن وعشت وأمي كما كل السوريين على هامش جثته ليس لنا فيه سوى أهلنا و أحلامنا وبعض مساكن..وأسد بعد أسد بعد أسد انتهكوا حرمة جثة الوطن الميت وقتلوا أحلامنا وأهلنا ومساكننا وهي كما قلوبنا فيها حجرات الأحبة، ومشينا على جرحنا خمسين عاما حتى فاض بنا الجرح وكبر وثرنا .. وكل شيء تغير!.

ليس هذا الأسد كأبيه وعمه، فوارث الجثة لم يهنأ بعد بتحويلها رمادا لم يكتف بعد بإحراقها بل يريد أن يذر الرماد في الهواء ذرات لا تجتمع، وإن نجت سيارة الإسعاف التي حملتني لأرى الحياة، فآلاف السيارات مثلها لم تنج اليوم وآلاف الأرواح لم تعرف الحياة، ومثلها كانت في الحياة ورحلت.

أما أنا فمازلت حيا لأشهد المجزرة وقد منت عليّ الأقدار بالغربة الطويلة حتى لا أرى بأم عيني التي تفتحت في حلب دمارها وحريقها ليبقى الشوق لرؤياها وهي تنفض عن جناحيها غبار التعب..شوق لضمها وهي تغسل الكعبين من رجس البغاة هو الشوق لمدينة تنهمر كل صباح على حافة القلب وتغتسل بالدم، مدينتي التي تتسلق جديلتها أسوار الشمس ..مدينتي التي تنافس الفجر بأحقية الأصل ..وتنافس الأبدية بآية البقاء، ستكون يوما لنا ونكون لها.

مرت الأيام والأعوام يا أمي ويوم قتلني الأسد لم أمت، وأصبحت أباً يعرف شوقك ووجعك، ويدرك لهفة أبي اليوم، ويوم ولدت.. مرت السنون يا وطني وصرتَ حيا بعد أن كنت جثة .. وكل شيء تغير!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة