مي ملكاوي
مي ملكاوي
8.2 k

أي نوع من النساء أنتِ؟

18/1/2017
أتنفس الصعداء وأنا أجلس أمام حاسوبي في منتصف النهار، البنات يلعبن بانشغال واضح، وقهوتي فترت سخونتها واستعدت بكامل هيبتها لأشربها.. أتمتم بأدعية وأنا أسترق النظر أن يهديهن الله لتستمران باللعب بينما أوفق في كتابة مقالتي الأسبوعية.

وفجأة وقبل أن أستطيع الانغماس في الشاشة لكتابة أول سطر من الفكرة التي في رأسي تشد ثوبي يد صغيرة فأنظر لأجد عينين ساحرتين تترجيان: "ماما بدي آكل.. ماما بدي حمام.." وتتلاحق الطلبات، فأعود للركض هنا وهناك ويصيبني حزن بطيء "رخِم" وأنا أتذكر أيام العمل الإعلامي والتقارير الصحفية والبرامج اليومية والانغماس بالأخبار اليومية السريعة الرتم.

أليس على المرأة أن تقرر ما تريده بالفعل بناء على رؤيتها لنفسها وشخصيتها، وأن العمل ليس أمراً حتمياً لازماً كفرض الصلوات اليومية؟
وتعود لتتجادل الأفكار المتعارضة في دماغي فأستذكر مقالة لكاتبة أصبحت وزيرة للثقافة في الأردن فيما بعد وهي لانا مامكغ، قارنت فيها بين نظرة المجتمع للمرأة الموظفة والمرأة التي تعمل في البيت وشرحت كيف لهذه النظرة تأثيرٌ على النساء أنفسهن ما يجعلهن يتخبطن في قرار العمل وقرار الجلوس في البيت. وقالت في تلك المقالة أن على المجتمع أن لا يحكم على المرأة إن كان عليها التزام البيت أو العمل، بل عليه أن يسأل عن شخصيتها وتوجهها ورغبتها أولاً ليعرف إن كان العمل الوظيفي أيا كان يناسبها أم لا.
 

وفي الحقيقة إن هذا شيء لا نسأل عنه بالعادة، فحينما تخرجت من الجامعة وجدت نفسي أنطلق بدون تفكير نحو العمل، ولم يكن "عدم العمل" خياراً مطروحاً أصلاً لأنني أريد بقوة أن أكون امرأة عاملة، وقد عملت لسنوات عديدة وتنقلت بين مؤسسات مختلفة، حتى جاءت ظروف الاغتراب والدراسة مع زوجي لأتوقف لفترة وجيزة عن العمل الوظيفي اليوميّ، لكنني أبدأ لم أتوقف عن العمل الجزئي حتى اليوم..
 

لي صديقة بعد تخرجها من الجامعة وزواجها، أعلنت رغم استغراب الجميع بمن فيهم زوجها أنها لا تريد العمل خارج البيت، لكن زوجها حاول تشجيعها على العمل وساعدها للبدء كموظفة في مكتب، إلا أنها داومت أسبوعاً حسمت على إثره قرارها النهائي منذ ذلك الحين وحتى اليوم: "أنا لا أرغب بالعمل أبداً".
 

أليس الأمر محسوماً حقاً؟ أليس على المرأة أن تقرر ما تريده بالفعل بناء على رؤيتها لنفسها وشخصيتها، وأن العمل ليس أمراً حتمياً لازماً كفرض الصلوات اليومية؟ وأن قرار الاستمرار في العمل أو ممارسة أي شيء آخر يعود للفتاة نفسها، وأن علينا ذات يوم أن نتوقف عن وسم كل امرأة تعمل بأنها "مقصرة في بيتها"، وأن من لا تعمل بأنها "مظلومة منكسرة الجناح ومغلوب على أمرها".
 

أنا لا أناقش مبدأ المجتمع ونظرته تجاه عمل المرأة أو عدمه فهو أمرٌ محسوم فلا شأن للمجتمع برمته بأي قرار شخصي لأي كان على هذا الكوكب، وبخاصة مع الظروف المعيشية الصعبة التي نعيشها.. فالعمل قد لا يكون خياراً بل حاجة أساسية، بل إن غالبية النساء في البلدان النامية يعملن للحاجة وليس للترف، وكثيرات يتمنين لو استطعن ترك العمل لكنهن لا يستطعن. لكنني هنا أناقش مسألة مختلفة قليلاً، إنني أتحدث عن شخصية المرأة وقدراتها ورغباتها الحقيقية بالإضافة الى ظروفها في الاختيار ما بين العمل الوظيفي في الشركات أو الوظائف العامة وما بين البقاء في البيت.
 

هذا الصراع الذي ما يزال منذ مئات السنين محتدماً داخل المجتمعات، وبين الأزواج وفي داخل أدمغة النساء أنفسهن، يسبب لهن الأرق اليومي والحيرة المخيفة وبخاصة لدى أولئك المتزوجات ومن لديهن أبناء، فالعمل بالنسبة لكثيرات هو جزء من فكرة إذكاء الطموح وإشباع شغف الانطلاق في الحياة، وهو لهؤلاء الفئة من النساء سواء كن متزوجات أم لا حاجة فكرية وجسدية تشبعها كثيراتٌ بالاستمرار بالعمل حتى بعد الزواج والإنجاب..
 

بينما نرى أخريات يملن إلى تربية الأبناء برضا ولرغبتهن الحقيقية أن ينشأن أطفالهن في أحضانهن قبل أن يكبروا ويعتمدوا على أنفسهم لحرصهن وخوفهن عليهم، ولست أنكر أن هذا يراودني كل يوم وأنا أستشعر حاجة أطفالي الملحة لوجودي المستمر، أنا كأم أكثر بكثير من حاجتهم لوجود الأب الضروري بالتأكيد لهم.
 

وَجدَت تلك الفئة من النساء الحائرات ما بين رغبتهن بالعمل والوظيفة وبين حبهن للبيت والمكوث لتربية الأبناء متنفساً جديداً من خلال مشاريع صغيرة بدأن بها في البيت.

وبغض النظر عن تلك الأرقام التي ترصدها الدراسات العالمية حول ضرورة مشاركة الإناث بالعمل من أجل تعزيز الاقتصاد العام لأي دولة، وإشارتها إلى عزوف نسب كبيرة من النساء عن العمل بعد الزواج والإنجاب بخاصة في الدول العربية حيث يعتمد الأمر على الثقافة ورغبات الزوج وتفضيلاته، وأن هذا يولد "حسرة" عند الاقتصاديين ومدافعي "حقوق المرأة"، لأنهم ينظرون له نظرة أحادية متمثلة "بظلم المجتمع للمرأة ومنعها من العمل"، لكنني أعتقد أن الأمور على أرض الواقع لا تبدو كذلك دائماً.
 

ولحسن الحظ وفي عصرنا الحديث وَجدَت تلك الفئة من النساء الحائرات ما بين رغبتهن بالعمل والوظيفة وبين حبهن للبيت والمكوث لتربية الأبناء متنفساً جديداً من خلال مشاريع صغيرة بدأن بها في البيت وأدرّت لهن نوعاً من الأرباح المادية، كما أشبعن من خلالها حب الإنجاز والطموح والاستمرار فيه، وساعد في ذلك وجود كثير من الأعمال الممكن القيام بها عبر الإنترنت من خلال شركات مختلفة تؤمن لهن ذلك.
 

وتظل ذات المواضيع الاجتماعية بارزة دائماً رغم اعتقادنا أن نقاشها عفى عليه الزمن، لكنها تعود دوماً عندما يتجدد الصراع في ذواتنا: "عمل المرأة أو عدم عملها"، لكن حسم الأمر ربما يبدو يسيراً لو أردنا له ذلك. فقط اسألي نفسكِ دائماً قبل القرار وقبل التحسّر على طموحك وعلى تخصصك الدراسي المهدور هباء: ما هي شخصيتي؟ هل أود حقاً العمل؟ وهل أنا قادرة على التوفيق بين البيت والعمل؟ ما هي ظروفي المعيشية والعائلية والزوجية؟ وأخيراً وببساطة شديدة اسألي نفسك: أي نوع من النساء أنا؟ 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة