مصطفى بوحسين
مصطفى بوحسين
365

الثقافة الوافدة

2/1/2017

ثمثل الثقافةُ بالنسبة لأيِّ مجمتع على البسيطة الفضَاء الذي تتنفسُ فيه آمالُ الناس وأهدافهم، والقلعة التي يلجؤون إليها عند الأزمَات والنوائب ليتحصَّنوا بسياجها المحكم وأبنيتها الشامخة من مكر العدو وضَربات الغدر القاتلة.

وهي كذلك أشبه بالعُدة والأسلحة التي يستخدمونها في التعامل مع كل جديد محير، وهي الخلفية الصافية التي تَمُدُّ برؤية ناصعة متفصحة ناقدة للواقع وتطلعاته وآفاقه. يقولُ المفكر العربي مَالك بن نبي أحد رواد النهضة مُقررا حال الأمة " نحن نستورد أدوات المدنية لكن لا نتعامل مَعها بشكلٍ حضاري".

الثقافة الوافدة في هذا القسم لا تتخد صورة محددة أو شكلا محصورا تدور في فلكه، وتتدثر بعباءته فقط بل هي كالحية الرقطاء ظهرها كباطنها في ملمسها.

وهو تصويرٌ عميق منه رحمه الله يُدلل فيه على حالنا مع كل ما تلفِظُه الحضارات الغربية من انتاجاتٍ فكرية وثقافية أو حتى خُرافية في بعض الأحيان، وإن كانت تجلياتها فيما سأرصُد أشد فتكا وعنفا وخطرا في المجال الثقافـي أكثر من غيره.

إن الثقافة أشبه ما تكون في تكونها ودخول الإنسان في حظيرة تبنيها والدفاع عنها، بطفل يترعرع بين يديك ويشِب بين عينيك، تسقيه من زُلال شرابك وتطعمه من ألذ طعامك، ولا تدري أيكبُر فيبرك، أم يشتد ساعده مع الأيام فيصفعك ويكون سبب خزيك وذلتك.

وكذلك نوع الثقافة التي تبنيها أنت من لبنات فكركَ وتصورك وتصوغها من منتوج سَجيتك، وتجمع سياج حدودها من مجموع قناعاتك واستنتاجات مسيرتك، فراقب اللبنات قبل أن تصير حائطا سميكا، وجدارا عازلا يحول بينك وبينَ من أنت في ذاتك ورؤيتك.

ورأيي أنه كيفما كانت النتيجة وحيثما انتهى الأمر فإنك - يا صديقي – تستحق تشجيعا وتصفيقا حارا، إذْ أنك استعنت بآلة عقلك ولم تقدس خُمولها، وحاولت نبذ السائد وطرح المألوف الذي يحكم الثقافات في تنشيئها على غير مبدأ.

وحالك أهون بكثير ممن أحكمت الثقافة الوافدة قبضتها عليهم، وسيطرت على قلوبهم وعقولهم ومداركهم، فتجد الواحد منهم يلوك من الكلام الوافد ما يصك به أذنيك بشاعة، ومن الأفكار ما يستوقفك على جثمان عقله لترثيه حزنا وكمدا على فقده وهو حي يمشي بين القوم عليلا، دون هوية أو رمزية أو شعار أو حتى مبدأ من نفسه يفديه بروحه وذاته !

والناظر في الأمر يجد أن الثقافة الوافدة قسمين: قسم لا يختلف عاقلان في أحقيته وصوابه وفضله، فهذا مما ليس موضوع كلامنا، وقسم ليس كذلك ولا هو قريب من ذلك يهدم ولا يبني ويغزو كالموت البطيء ليمحو ويمسخ ويطمس ويقلب الحسن إلى قبيح والقبيح إلى حسن.

والثقافة الوافدة في هذا القسم لا تتخد صورة محددة أو شكلا محصورا تدور في فلكه، وتتدثر بعباءته فقط بل هي كالحية الرقطاء ظهرها كباطنها في ملمسها، لا يخبرها إلا من عالج دروبها وأدرك ضُروبها وفطِن حروبها بكل ما تتخذ لها من ألوان، فهي تارة تتجسد في تصدير أفكار من بيئة إلى أخرى، ومن موطن إلى آخر لحاجة في نفس مخترعها وقصد وغاية ينشدها كتصدير الغرب لنا ثقافة الحرية المطلقة التي لم تكن تربة الوطن العربي الطاهرة يوما لتتقبلها وتتميع في أحضتنها، بله أن تقننها وتعلن رسميتها!

وتارة تفد الثقافة –وأعني القسم الثاني عند الاطلاق- في شكل سلوك معين، يكرر لمرات في المختبر هناك لتسبر جاهزيته، ثم يصدر إلينا مزينا كباقة ورد فاتنة الشكل في منظرها، وفي مزهريتها سم ناقع !،أو تفد في ثوب عبارات وأقوال أو شعارات محكمة التقيين غادرة المآل..

وهي بكل هذه الأشكال وغيرها تعبر القارات بتأشيرة أمان، عبور المنتصر المنتشي دون وعي تام بها وبخطورتها من أبناء جلدتنا إلى أن تراها فيهم متشكلة متشخصة بكل قوامها ومقامها. ويعد الإعلام بكل أشكاله ووسائله – إلا من رحم ربي وحافظ على رساليته المعتدلة - أبرز آلة فعالة تستخدم في تصدير هذه الجرعة وتحريك محتواها بين كل غفوة وأخرى.

واجبُ المسلم الحر الواعي المتيقظ في ظل هذا الواقع المتلاطم أن يحذر كل الحذر مما يروج حوله من ثقافات وأفكار وسلوكيات وأحوال.

والإعلام (الذي باع رساليته) في توزيعه لهذه الطرود يتبع منهج التدرج والمهل، فيقدم الجرعة قسطا قسطا، ويعرضها قطعة قطعة حتى لا يستشعر المستهدف جثو الاستهداف فيثور لذلك إن بقيت له عزيمة تحركه، ثم هم في ذلك يعطون لكل سن ومرحلة جرعة على مقدار ما تسع منها، فما يقدم للأطفال غير ما يقدم لليافعين والشباب وهكذا.

قد أبدو لك في هذا الكلام أني أنسج حكاية من وهم الخيال، أو أمهد لمقطع درامي في فصل روائي داكن، كلا يا صديقي بل من قلب الوطن العربي أكتب، وعن معاناة فلذات كبده المحروقة أدون، وأنا أبصر ما يبكي العين رثاء، وليس في هذا شغفٌ بنظرية المؤامرة كما قد يبدو لك، ذلك أنها أمر نسبي بين نفيه ووقوعه، وإن كانت إلى الأخير أقرب استنادا لما قدمت.

فقد أدى بنا ضعف السلاح الفكري وسيطرة الفراغ الروحي، وتدهور المنطق العقلي وسيادة الركون إلى الآخر دون رشد أو وعي، وتجاهل الحقيقة الواقعة في ضرورة الحياة على المبدأ إلى ما نحن فيه من رزية في الكثير من حمولتنا الثقافية الرائجة، التي باتت تغطي مساحة واسعة من فهوم الشارع العربي المُغيب –دون إطلاق-  فمتى الوعي؟ ومتى نستيقظ من أحضان الثقافة الوافدة؟ ومتى نقف أمام ذواتنا وقفة مراجعة لما آل أمرنا إليه ؟ ومتى نعود إلى الحصن الثقافي الأول الذي كان عليه أسلافنا ؟!

وواجبُ المسلم الحر الواعي المتيقظ في ظل هذا الواقع المتلاطم أن يحذر كل الحذر مما يروج حوله من ثقافات وأفكار وسلوكيات وأحوال، وأن يعرضها على مبادئه وقيمه عودا عودا دون مغالاة أو تمييع في الحكم، فإن وافقت نظر في مصلحتها وخالفت ردها لأهلها دون أسف عليها، وطلب هو بفهمه وعقله ما يغنيه عنها وعن مثيلاتها، ويكون فيه نفع له ولدينه وأمته ومجتمعه، ولا يكونن آلة كالوعاء يقبل كل ما وضع فيه حتى يفيض عنه، ولا تتحرك نفسه لما سلب عنه من فضيلة كينونته واستقلاليته .

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة