علي عبد الرءوف
علي عبد الرءوف
644

الفوضى العمرانية الخلاقة في الميدان وعلى الجسر

20/1/2017

مرتكزاً على مفاهيم النضال من أجل الحرية بمستوياتها المختلفة، ومستوعبا لتداعيات الفوضى وتنوع تفسيراتها ومنطق تقييمها، يطرح هذا المقال مفهوما مغايرا يرى في "الحرية البديلة اللارسمية" التي تنتجها الثورات الشعبية الصادقة في المدينة العربية نوعا جديدا من الفوضى، توصف بأنها "الفوضى الشعبية الخلاقة"، هذه الحرية البديلة والفوضى الخلاقة التي تتجاوز الإطار الإبستمولوجي المدرك عن الفوضى، تبلورت تجلياتها أثناء وبعد ثورة الشعب المصري في 25 يناير 2011.

 

 يقدم المقال طرحا يناقش كيف تبلورت ظاهرة الفوضى في المدينة العربية من خلال فضاءات عامة في نسيج المدينة، وخاصة ميدان التحرير في القاهرة، كما يقدم قراءة مغايرة لفكرة الفوضى، ترى أنها بالفعل يمكن أن تكون لها أبعادها الايجابية في السياق العمراني والإنساني، وليس فقط في السياق السياسي.

 

القراءة المطروحة لفكرة الفوضى، وكيف يمكن أن تتحول من صفة سلبية إلى قيمة خلاقة؛ تتبلور من خلال تحليل مشهدين أساسيين على جسور القاهرة، وفي فضاءات ميادينها العامة.


مشهدان في سردية القاهرة الفوضوية الخلاقة
المشهد الأول: شرفات عامة على النيل
حرم الشعب المصري من الإطلال على النيل، وأصبحت خصخصة النهر وضفتيه عائقا يحرم المصريين من التواصل مع النهر. من هنا تأتي أهمية الرصد العادل لما سمي فوضى الجسور في مدينة القاهرة.

 

الشعوب المتعطشة إلى علاقة متميزة مع الفراغ العام، تنطلق في فوضوية لإعادة امتلاك هذا الفراغ حين تتاح لها الفرصة. وفي هذه الانطلاقة التي تبدو عشوائية وفوضوية، تتبلور أنساق متميزة من استعمال الفراغ ودفق الحياة به

لقد تقدم العشرات من الشباب لاستغلال جسور القاهرة المطلة على النيل، وفي غيبة السلطة ونشوة الحرية ونجاح الثورة قدموا بدائل لعلاقة المصري مع النهر، وبدأ نسق جديد من التعامل مع نيل القاهرة يظهر من بداية الألفية الثالثة، رصد في تحويل الأجزاء المطلة على النهر من جسر السادس من أكتوبر إلى وقفة احتفالية هي الأهم على مسار موكب حفلات زفاف الطبقة المتوسطة.

 

ومع وجود الجماعات الإنسانية -مهما كانت محدودية عددها- تنشط الاستخدامات المساعدة، فبدأت الجسور تستقطب الباعة المتجولين لتقديم المشروبات والمسليات للمتنزهين. بساطة الفكرة أيضا أدت إلى انتشارها السريع، فكل ما تحتاج هو مجموعة من الكراسي البلاستيكية، وموقد لتسخين المياه، ووصلة كهربائية مقترضة "بنية حسنة" من عمود إنارة على الجسر.

 

وازداد إبداع الشباب الفوضويين المستغلين للنهر، فتجاوزت الاستعمالات تقديم الشاي وتطورت إلى عربات "الكشري" وأركان "شواء الذرة" بل و"قدرة الفول" الشهيرة تقدم عشاء رخيصا وشهيا لعائلة تتناول الطعام، وتتأمل صفحة النيل. هذا الفعل الذي لم يكن يدور في فلك أحلام المصريين القاهريين، بعد أن تم احتلال كل ضفاف النيل بمعرفة الشرطة والجيش والقضاء وغيرهم.

 

تدريجيا تحولت الجسور إلى شرفة عامة نشطة حيوية، بكل ما تعنيه الكلمة. وبصورة لا يمكن رصدها إلا في الوثائق الفوتوغرافية القديمة لكورنيش القاهرة، عندما كانت كل ضفاف نهر النيل متاحة للشعب مرحا وتنزها وتأملا وعشقا وإلهاما بل وتعبدا. ومع تطور جلسات هذه الشرفات العامة "الجسور"، وتقديمهم جرعة من الموسيقى والغناء عبر مكبرات الصوت، تحول عبور الجسر سيرا على الأقدام إلى حالة من الاختراق لاحتفالية اجتماعية غنائية وموسيقية، نرصد فيها ملامح فرح وسعادة على وجوه أطفال ونساء ورجال وشيوخ، كانوا يعتقدون أن نصيبهم من السعادة على نيل القاهرة قد انتهى للأبد.


المشهد الثاني: ميدان التحرير 
تحول الميدان إلى ملتقى تفاعلي، بين تقاليد محلية وطنية وبين تدفقات عالمية دولية، لأفكار ومبادئ شغلت كل من سكن الميدان وسكنته روح الميدان.

 

حالة ميدان التحرير الفراغية، ينطبق عليها التصنيف الشهير لعالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر (1901 ـ 1991)، وهو "الفراغات ال معاشة Lived Spaces" التي تتجاوز الفراغات المتخيلة أو المدركة، وتتحول إلى فراغات حقيقية عميقة في حياة وذاكرة الناس. ويوضح لوفيفر أن "امتلاك المكان المتخيّل يكون عبر الغرق في التاريخ ورموزه، كالمشاهد الشعبية القديمة".

 

وهنا نستطيع فهم محاولات الهجوم الحاد على كل ما هو شعبي تراثي عفوي، واتهامه بأنه فوضوي هادم ومخرب. كما يوضح لوفيفر أن "السيطرة على البعد المتخيّل للمكان وضبطه، تتم من خلال خلق حالة من الخوف والحيازة وعدم الألفة، بجعل الحدود والأطراف أمكنة للقمع والرقابة، في مقابل الرأسمال الرمزي المركزي"، ومن هنا تنطلق دعاية "الجماعات التخريبية الفوضوية في التحرير"

ولكن عبقرية الميدان تكمن في أنه أيضا احتوى التصنيفين الآخرين، فقد مثل رؤية وحلما لكثيرين، منهم من لم ير الميدان حتى الآن. هناك بعد أخر هام في فهم الميدان وتركيبته وهو التمكن من السيطرة الرقمية والمادية على صورة الميدان. كان البعد الرقمي من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، التي همشت وفضحت الآلة الإعلامية الفجة للدولة.

 

أما البعد الثاني فهو مادي؛ تمت فيه السيطرة الكاملة على أهم ميادين مصر، لتأكيد رفض سيطرة الدولة وإسقاط قيمتها وتحدي آلتها الأمنية الشرسة. ورغم أنه يمكن الجزم بأن فكرة الثورة كانت نتاج حوارات الفراغ الرقمي العام على شبكات التواصل الاجتماعي بالشبكة العنكبوتية، إلا أن تلك الفكرة لم تتحول إلى حقيقية هادرة جذبت ملايين من الشعب المصري إلا عندما تواجد الآلاف ثم الملايين فعليا في ميدان التحرير، وقدموا ملاحم يومية من الصمود والمقاومة والتضحية.

 

هذه التحولات شديدة الجدة على شعب يتعامل مع كل ما هو عام من منطلق "ملك الحكومة"، وهي صياغة تعني الرضوخ والاستسلام، كما أنها تخلق عدائية بين الإنسان والمكان. لقد حرم الشعب المصري لسنوات بل لعقود من ممارسة أي أنشطة اجتماعية أو سياسية جماعية في الفراغ العام، وكسر ميدان التحرير هذا الحاجز النفسي والمادي الجبار.
 

القيمة الحقيقية للعمل الثوري هي أنه يحقق تطلعات المجتمعات للعدالة، ولكن ليس فقط العدالة بمفهومها المعنوي الأخلاقي، ولكن أيضا بمفهومها المادي المحسوس

إن ما يتبين جليا من المشهدين هو أن الشعوب المتعطشة إلى علاقة متميزة مع الفراغ العام، تنطلق في فوضوية لإعادة امتلاك هذا الفراغ حين تتاح لها الفرصة. وفي هذه الانطلاقة التي تبدو عشوائية وفوضوية، تتبلور أنساق متميزة من استعمال الفراغ ودفق الحياة به، من خلال علاقات أكثر مصداقية في التعبير عن متطلبات المستعملين وتطلعاتهم ومحاور إسعادهم. وتبلور أهمية وجود مكان لفضاءات ديمقراطية، وهي فراغات لا تنتقي، وتسمح للجميع بالتفاعل والتعبير عن النفس وعن الجماعة. فراغات لا تعاقب على فقر بعض قطاعات المجتمع أو معظمها كما هو الحال في مصر، ولا تحتفي بثراء النخبة المستثناة.

 

هذا هو الفراغ الديمقراطي، وهذه هي المدينة العادلة. هذه الفراغات ترفض الجدران والأسوار والحواجز التي تحد حركة الإنسان داخلها. من الأساسي أيضا أن ندرك أن المنظر والمفكر والمعماري والعمراني المهني الممارس منهم أو الأكاديمي الباحث يحتاج إلى الكثير من التروي والتمهل قبل إصدار أحكام عن فوضوية المكان وعشوائية الاستعمال. إن حيوية جسور القاهرة حين تستخدم كشرفات عامة مفتوحة للشعب ليسعد بإطلالة على النيل، أو تحول ميدان التحرير من عقدة مرورية الى فراغ تملؤه مراكز نشطة، تسمح بالتفاعل الإنساني والاجتماعي والثقافي، بل وحتى الإبداعي، هي في الواقع أمثلة بينة على أن الفوضى العمرانية يمكن وصفها بأنها خلاقة أحيانا.

 

إن القيمة الحقيقية للعمل الثوري هي أنه يحقق تطلعات المجتمعات للعدالة، ولكن ليس فقط العدالة بمفهومها المعنوي الأخلاقي، ولكن أيضا بمفهومها المادي المحسوس. إن ثورة تحقيق عدالة وديمقراطية العمران، وإعادة النيل للمجتمع المصري هي جزء لا يتجزأ من استمرارية ثورة 25 يناير. ولذا فإن استقلال الفراغ العام واحترام متطلبات المصريين هو عمل ثوري بامتياز.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة