مي ملكاوي
مي ملكاوي
3.9 k

أمّ بلا زواج وحقوق أخرى

25/1/2017

قبل سنوات كنت أحضر دورة حقوقية حول تمكين النساء في المجتمع، وكانت المحاضِرة قد جاءت من فلسطين لتقديمها، أخذت تحدثنا عن تجربتها الناجحة كإنسانة "متحررة" في المجتمع الفلسطيني "المحافظ"، وكيف أنها وزوجها يتبادلان الأدوار في كل شيء، لدرجة أنها كثيراً ما تحمل جرة الغاز من أسفل العمارة إلى الطابق الثاني عندما تحتاج إلى تغيير، وأنها تستقبل السباك بدون شرط وجود زوجها في البيت، وهي تسافر دائماً وتترك طفلها مع زوجها بدون قلق.

 

لم أعلق يومها لأنني كنت قد أُشبعت بهذا النموذج "المُتفرد" من ناشطات حقوق المرأة والمُدافعات عنها، ولكون كلامها يحمل وصفاً جميلاً فيما يهدف من ورائه إلى غير ذلك تماماً، فهي تستخدم وأولئك الناشطات شعارات إطلاق الحريات ومفاهيم العلمانية واستبعاد الدين عن القوانين والدساتير، وهن يستخدمن مفاهيم "تمكين المرأة" و"العنف المجتمعي" و"العنف الزوجي" وغيرها من المصطلحات للاستدلال على ما يتبع ذلك من سلب للحقوق المدنية وضعف التمثيل البرلماني والقضائي والمساواة في الرواتب والفرص والحظوظ مع الرجل، إذ يبدأ العنف والمنع من البيت برأيهن، وهذا جيد بل ويتفق عليه الجميع غالباً.

 

لكن حدسي صدق بعد ذلك حيث ذهبت الأستاذة بعد ضرب مثال علاقتها المتكافئة مع زوجها، إلى شرح كيف أن المجتمعات العربية تقمع النساء بأشكال متعددة ليست فقط في الحرمان من الحقوق المدنية والعنف الجسدي والجنسي والنفسي، بل تتعداه إلى قيود اجتماعية تحرمهن حرياتهن من ممارسة ما يرغبن به من السفر لوحدهن وإقامة العلاقات المختلفة مع من يشأن بينما يتاح ذلك للرجال بلا عقاب أو ملاحقة.
وكالعادة فقد نسي الحضور القضايا المحورية من العنف الأسري والمجتمعي وموضوع التمثيل البرلماني وقضايا جرائم الشرف والقوانين غير الصارمة لها، ليبدأوا بالتجادل حول قضية منع المرأة من السفر و"المساكنة"، إضافة طبعاً إلى الحق بانتشار المثلية الذي كان يطرح همساً وبحذر شديد قبل أن يصبح أمراً مسلماً ضمن الحقوق الأخرى.

 

وأتذكر كيف خرج الجميع منقسمون ما بين متفق ومعارض للنقاش، كما أتذكر ارتباك المحاضِرة لهذا الانقسام بين من يُفترض أنهم صحفيون، فهناك اعتقاد أن الصحفيين بالعادة متحررون وعلمانيون ومؤيدون لكافة القضايا التي تطرح في مسائل حقوق المرأة وغيرها.

 

وسط هذه الحقوق الدخيلة علينا، والمدعومة من قبل حكومات فاسدة يهمها نسف تماسك القيم والمبادئ الرئيسية فينا، ومن قبل منظمات جاءت خصيصا إلى بلداننا لهذا الهدف، ألا يحق لنا يا الله أن نطالب بحقنا في حماية مجتمعنا من هذه الحرب المعلنة على أخلاقنا وأبنائنا كغيرنا من المجتمعات الحرّة والعريقة؟

كان هذا قبل سنوات قبيل التجهيز لطرح بنود جديدة باتفاقية سيداو للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة للمصادقة عليها في مجلس النواب الأردني والتي لاقت اعتراضات عديدة لكنها كغيرها من الاتفاقيات مررت وتم المصادقة عليها رغم تعارضها مع مفاهيم المجتمع وقيمه.

 

ولم تكن وقتذلك مواقع التواصل الاجتماعي منتشرة كالهشيم بين الناس كاليوم، وكنت كصحفية أحضر العديد من هذه الدورات والتي غالبا ما كانت تتمحور حول الممنوع والمسموح أكثر من أي قضايا شائكة أخرى تهم المرأة، وقد اعتدت بالطبع على المناكفات والجدال الذي لا يفضي إلى أي اتفاق.

 

اليوم صرنا نشهد تداخلات أكثر تنضم إلى مصطلح "حقوق المرأة" الذي جرى تشويهه ليحيد عن أهدافه الرئيسية، فظهرت مطالبات بحق المرأة في العمل في الإباحية، وأخريات يطالبن بحقهن في الأمومة بدون زواج، فيما صار الحديث عن حقوق المثليين مسألة حتمية عادية جداً.

 

وقد يبدو الأمر ترفاً للحديث فيه وسط ما يجري في أوطاننا من أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية وتزايد عمق طبقة الفقراء على حساب الطبقة المتوسطة، إضافة إلى الخوف من مستقبل المنطقة برمته من كافة النواحي، لكن ذلك لا يمنع من أن ننتقد الطريقة التي تقدم فيها حقوق المرأة على أنها "منهوبة" من جذورها في المجتمعات العربية والمسلمة وهو ما نعرف ويعرف هؤلاء الحقوقيين أنفسهم أنه غير صحيح.

 

نحن نؤيد المطالبة بحق الانتخاب والتمثيل البرلماني النسوي كما يتوجب، كما ننشد مزيداً من التوعية ضد العنف الأسري ووضع عقاب صارم حقيقي ضد مرتكبي الاغتصاب وعدم تزويج الضحايا لمغتصبيهن، ونحن مع تكافؤ فرص النساء في العمل والرواتب والوظائف والتعليم والزواج، وحقها في قيادة السيارة وغيرها من الحقوق التي تعتبر بالفعل مهضومة نتيجة لقوانين عرفية لم تتغير مع الزمن.

 

أما أشباه الحقوق الأخرى والتي بدأت تتسرب لأقناعنا بكونها حقوقاً وحريات وممارسات إنسانية اعتيادية، فأظن أن المجتمعات العربية ستظل ترفضها للحفاظ على قليل مما تبقى من قيم أصيلة من ديننا وأعرافنا التي نفخر بها.

 

ووسط هذه الحقوق الدخيلة علينا، والمدعومة من قبل حكومات فاسدة يهمها نسف تماسك القيم والمبادئ الرئيسية فينا، ومن قبل منظمات جاءت خصيصا إلى بلداننا لهذا الهدف، ألا يحق لنا يا الله أن نطالب بحقنا في حماية مجتمعنا من هذه الحرب المعلنة على أخلاقنا وأبنائنا كغيرنا من المجتمعات الحرّة والعريقة؟ 

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة