علي أنوزلا
علي أنوزلا
948

العرب وترمب

25/1/2017
بعد تنصيب دونالد ترمب رئيسا جديدا للولايات المتحدة الأمريكية، خرجت عشرات المظاهرات ضده في أكثر من مدينة أمريكية وعاصمة غربية من واشنطن حتى سيدني في أستراليا، مرورا بأغلب عواصم أوروبا الغربية. وحتى تل أبيب التي وعد ترمب بنقل عاصمة بلاده فيها إلى القدس خرجت فيها مظاهرة ضد ترمب.

سيقول البعض: إن أغلب هذه المظاهرات حركتها الجمعيات النسائية ردا على انتقادات ترمب للمرأة أثناء حملته الانتخابية، وشاركت فيها جمعيات الدفاع عن المثليين الذين يخشون من سياسات ترمب المحافظة، والتحقت بها جماعات من اليسار المختلف المعادي تقليديا للسياسات الأمريكية ويرى في ترمب وخطابه الشعبوي المحافظ والعنصري حطبا سهلا لإشعال جذوة الصراع الإيديولوجي الطبقي الذي لم يعد يحرك مشاعر الكثير من الناس بما فيهم حتى أولئك المفترض أنهم ضحاياه وما أكثرهم في هذا العالم.

أول المرحبين بترمب كانوا عربا ومسلمين، ويا للمفارقة مرة أخرى، فقد نجح ترمب في تأليف قلوب عرب متخاصمين على التودد إليه.
لكن، ويا للمفارقة، على طول خارطة العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وعبر كل دول وعواصم العالم الإسلامي لم تخرج مظاهرة واحدة ضد هذا القادم الجديد لقيادة أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، ظل يخاطب الإسلام والمسلمين طيلة حملته الانتخابية بالوعيد والتهديد. بل، وحتى في حفل تنصيبه الرسمي توعد باقتلاع ما وصفه بـ "الإرهاب الإسلامي" من على وجه الأرض، في ربط مستفز ومقصود بين الإسلام كدين وبين الإرهاب كظاهرة يمكن أن يتبناها أصحاب ديانات أخرى وحملة إيديولوجيات لا دين لهم ولا ملة!

لقد كان منتظرا أن تخرج أكبر المظاهرات ضد تنصيب ترمب في عواصم عربية وإسلامية؛ احتجاجا على ربطه المتعمد في كل تصريحاته وتغريداته وربطه بين الإسلام والإرهاب. وكان منتظرا أن تخرج أكبر المظاهرات في عاصمة عربية مثل بغداد؛ لقول الرئيس الأمريكي الجديد: إن بلاده كان عليها عند احتلالها للعراق أن تأخذ كل نفطه! وكان منتظرا أن يأتي أكبر احتجاج على تنصيب ترمب من الرياض ليس فقط لأنها عاصمة الدولة التي توجد فيها أقدس مقدسات المسلمين، وإنما لأن الرئيس الأمريكي الجديد طالب الساسة السعوديين بدفع المزيد من المال لبلاده مقابل استمرار حماية أمريكا لهم!

وحتى المجامع الفقهية وجمعيات كبار العلماء والفقهاء ومجالس الإفتاء وجامعة الدول العربية ومنظمة العالم الإسلامي والمنظمات التابعة لهما وعددها بالعشرات.. لم يصدر عنها أي استنكار أو إدانة أو مجرد تعليق على التصريحات المستفزة التي ظل سيد أمريكا الجديد يطلقها على عواهنها ضد الإسلام والمسلمين والعرب وبلدانهم بدون استثناء ولا استحياء.

بالعكس، فإن أول المرحبين بترمب كانوا عربا ومسلمين، ويا للمفارقة مرة أخرى، فقد نجح ترمب في تأليف قلوب عرب متخاصمين على التودد إليه. فقد جاء الترحيب بترمب من السعودية التي عبرت عن تفاؤلها بتوليه قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كما جاء الترحيب به من نظام مجرم مثل نظام بشار الأسد في سوريا، ومن نظام انقلابي مثل نظام عبد الفتاح السيسي في مصر.

ولا غرو أن يكون أول اتصال هاتفي بين ترمب ورئيس دولة عربية هو الاتصال الذي جرى بينه وبين السيسي، ونقلت عنه وسائل إعلام مقربة من السيسي ومن الأسد أن الرئيس الأمريكي الجديد أبدى إعجابه بـ "شجاعة" مجرم مثل الأسد الذي قتل الآلاف من أبناء شعبه وهجر الملايين منهم ودمر بلاده عن آخرها!

مقاربة ترمب السياسية بسيطة مثل بساطة تفكيره، تتمثل داخليا في العودة ببلاده إلى الانكفاء على نفسها كما كانت قبل الحرب العالمية الأولى لاستعادة مناصب الشغل التي توفرها كبريات الشركات الأمريكية في العالم اليوم خارج بلادها، ومنحها إلى المواطن الأمريكي. وخارجيا تقوم هذه السياسة على ضمان سلامة أمريكا حتى لو تتطلب الأمر التصالح مع أنظمة غير ديمقراطية مثل نظام الرئيس الروسي فلادمير بوتين لتجنب شره، ودعم أنظمة مستبدة مثل تلك التي توجد في المنطقة العربية لوقف "الإرهاب" القادم من بلدانها.

"الشتاء قادم" مع وعيد وتهديد ترمب، لكن بإمكان القوى الحية والديمقراطية في المنطقة العربية وفي العالم أن تحول هذا الشتاء إلى ربيع حقيقي، فقد سهل ترمب المهمة على الجميع.
لكن، أليست هذه السياسة نفسها هي التي تتغذى عليها أنظمة غير ديمقراطية مثل نظام بوتين الذي ستشجعه لا محالة على التمادي في غطرسته ومحاولاته إحياء إمبراطورية "الاتحاد السوفياتي" البائد مع كل الشرور التي خلفتها تلك الإمبراطورية وما زالت تعاني منها العديد من الشعوب في شرق أوروبا ووسط آسيا! أو ليست سياسة دعم الاستبداد وتشجيع أنظمته في المنطقة العربية هي التي ساهمت في خلق الأجواء المحبطة ووفرت التربة الخصبة لزرع أفكار التطرف والعنف داخل مجتمعاتها!

بعد تنصيب ترمب صدرت الكثير من التصريحات، وحملت الكثير من عناوين الصحف جملة هي عبارة عن تحذير: "الشتاء قادم"، وتردد صدى هذه الجملة عبر أكثر من منبر صحفي وفي المواقع الاجتماعية محذرا مما ينتظر أمريكا والعالم من أيام كالحة في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة.

نعم، "الشتاء قادم" مع وعيد وتهديد ترمب، لكن بإمكان القوى الحية والديمقراطية في المنطقة العربية وفي العالم أن تحول هذا الشتاء إلى ربيع حقيقي، فقد سهل ترمب المهمة على الجميع؛ لأنه عكس الرؤساء الأمريكيين السابقين يتحدث بلغة كاشفة فاضحة تسفر بجلاء عن عمق تفكير الإنسان الأمريكي الأبيض. وهو تفكير عنصري أناني براغماتي لا تهمه سوى مصلحة صاحبه الخاصة والآنية.

مع ترمب، يكون العالم قد فاز بما هو مهم، آلا وهو الفرز الحقيقي والبائن بين قوى التقدم والتحرر وقوى الاستبداد والتحكم، ولا مكان بينهما لمنطقة رمادية، ولم يبقَ أمامنا سوى أن نختار.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة