محمد نعيم
محمد نعيم
365

بلاغة الحزن.. وطفولة الفرحة!

28/1/2017
ﻻ يكتب من يكتب عن الغربة إﻻ وهو في جذوة اشتياقه لمهده، وﻻ يكتب من يكتب عن الحب إﻻ وهو في نيران فقدانه لمحبه، وﻻ يكتب من يكتب عن الفراق إﻻ وهو مفارِق أو مفارَق أو كلاهما!

هكذا تأثير المشاعر على جوارح الجسد متباينة، ففي حالة الفقد والغربة تُحدث المشاعر ضجيجا في القلب فيشمل القلب كله وتتحول لنيران تلهب باقي الجسد، فلا يكون من اليدِ إﻻ أن تقبض على قلمها وتحول هذا اللهيب إلى حروف علها تَشفي قلبا وجسدا قد أعياهما ماهما فيه! ويكون القلم حينها كأنه العقل؛ يترجم ما يشعر به الفؤاد، ويصل بعقله إلى سويداء القلب فيعلم ما فيها من كظيظ، فما يكون منه إلا حروفا تكون في ظاهرها العذاب، وفي باطنها الرحمة لقلب فاض به وﻻ يقدر على البوحِ، فيكون القلم هو اللسان والشفاء والرحمة لهذا الجسد!

ودائماً ما يضمره القلب من أحزان أضعاف ما تبديه قسمات الوجه، ولكن ما يبديه القلم من أحزان في بلاغة مميتة تكون أضعاف ما بدا على باقي جسدك من نحول وخوار في القوة، هكذا القلم هو محاميك ولسانك، يصف ما تعجز عنه باقي جوارحك، فلا تدع ذلك القلم وﻻ تستسلم لأحزانك واجعله في حالة ضعفك وهمك لسانك وعقلك عساه أن يخفف عنك ما تٌآسيه، فمواساته أشد وطأة على قلبك من مواساة الأصدقاء الذين لم يصل إدراكهم لأبعد من اصفرار وجهك وخوار قوتك، وذهب عن إدراكهم ما يعانيه فؤادك من أضعاف ما بدا على جسدك!

أكاد أجزم أن شعراء الحب لم يكن لهم أن يكونوا بهذه البراعة إﻻ في حالة شدة اشتياقهم.
ومن العجب أننا في حالة الفرح والبهجة، يصل ما في نياط القلب من سرور لباقي الجسد، فيكون القلم حينها قد عجز بعض الشيء، إذ أن فوضى السرور أربكته وجعلت منه صبيا ﻻ يسعه أن يعبر عن فرحه إﻻ بطفولة بالغة البساطة خالية من أي فصاحة!

هكذا تتباين المشاعر وتظهر في حروفنا ووصفنا لما نشعر به، فنجد في بعض الأحزان من الفصاحة والمرادفات التي تطفئ نيران همومنا، وكأن فينا أكثر من عقلنا! وفي حالة شدة بهجتنا نتحول لأطفال عاجزين عن التعبير ببلاغة أو بأي عقل!

وأكاد أجزم أن شعراء الحب لم يكن لهم أن يكونوا بهذه البراعة إﻻ في حالة شدة اشتياقهم، وبهذا يكون تفسير أن الحزن والفراق يزيدان في السن ويجعلان من المرء أكبر سنا في حروفه في نظرته لمستقبله! كأنه عاش عمرين فوق عمره، ويكون ذلك أيضا بيانا لموقف ذلك الأعرابي الذي تاه في بيداء ﻻ ماء بها وﻻ زاد، وذهبت عنه دابته وبها زاده، ثم أشرف على الهلاك، فجاءته دابته قبيل هلاكه، فشرب واستزاد وعادت إليه قوته، فقال لرب العالمين من هول فرحته: أنت عبدي وأنا ربك! فتقبلها ربنا بقبول حسن وغفرها له، إذ يعلم -وهو العليم بذات الصدور- ، أن ما به من فرحة ذهبت عنه لب عقله وجعلت كلامه يخرج طفوليا مع زخم ما يُخلاطه من فرحة سلبت عنه كل بلاغته!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة