ياسر السيد عمر
ياسر السيد عمر
406

أيها العام الجديد.. رفقاً بنا!

3/1/2017
منذ أسابيع، وصوت في داخلي يتعالى وينادي على العام الجديد بأن لا تبدأ.. لا تبدأ ولا تمدد صفحة جديدة من صفحات قهرنا وعجزنا، فصفحات عمرنا الممتلئة بالدم لم تعد قادرة على احتمال المزيد..
 

في كل عام تتنزل أمنيات الرحمة والخير من فوهات قلوبنا علّها تدرك صغارنا المتعبة أرواحهم والمبعثرة في طرقات المدينة التي أنهكها القتل والدمار.

يدخل العام الجديد، ونحن لم نستطع أن نجدد ثقتنا بأنفسنا وبمن حولنا، ولم نعد على ثقة بأن نستودع غيرنا أسرارنا كما كانت هي عاداتنا من ذي قبل.

في كل عام نطرق كل باب أمل وكل طاقة فرج علّها تلملم ما تبقى من شعث قلوبنا، وتعيد لنا بعضاً مما كانت عليه نفوسنا قبل أن يداهمها غزاة اليأس والقنوط.

يخبرنا التقويم بأن لدينا زائراً جديداً، بثوب جديد، فتجهزوا لاستقباله، وتهيؤا له. أما نحن فدفتر مذكراتنا يذكرنا بأمس قريب خطف منا أرواحاً كانت تحلق بيننا، وسرق ابتسامات لطالما ارتسمت على محيا أصحابها مزينة حياتهم بالحب والأمل.

لمَ نطوِ صفحة جديدة مع العام الجديد، ووحش ما يسمونه "الإرهاب" لم يطو بعد صفحة قتلنا وذبحنا على مسرح العالمية برعاية كل مخابرات العالم؟

لمَ نطوِ صفحة جديدة من أعمارنا، وأعمار صغارنا ما تزال تختطفها خفافيش ليل مظلم في حاراتٍ وأزقةٍ لم تعرف غير الوداعة والسكون؟

أي حب ذلك الذي نرجوه للعام الجديد، بعدما قتلتم شجرة الحب التي كانت تظلل حياتنا، ويرفرف على أغصانها طيور لم تعرف غير الزقزقة والفرح لحياتها عنوان؟

على أعتاب العام الجديد، يقف المجهول كعنوان لكل ما هو قادم، ففي أمريكا رئيس جلب الكراهية مع قافلته، وبدأ بها حملته، قبل أن نعرف خيره من شره.

وفي أوروبا تصاعد مستمر لليمين المتطرف وغير المتطرف، ينبؤنا أن ربيعاً جميلاً مر بكم، وحان الوقت الآن لكي تودعوه!

وفي تركيا، عشرات القتلى بعد ساعتين فقط من دخول العام الجديد، وكأن المارد المتوحش لا يريد لقلب البسفور الجميل أن يهدأ!

وفي سوريا، عشرات الفصائل تتقاتل فيما بينها، بينما أطفال ونساء جيرانهم يدّكون بعشرات القذائف كل دقيقة!

أيها العام الجديد، وإن كان لا بد لك من زيارتنا، فلا بأس، ولكن أرجوك ارفق بنا، وارحم ضعف قلوبنا، وقلة حيلتنا.

يدخل العام الجديد، ونحن لم نستطع أن نجدد ثقتنا بأنفسنا وبمن حولنا، ولم نعد على ثقة بأن نستودع غيرنا أسرارنا كما كانت هي عاداتنا من ذي قبل.

يدخل العام الجديد، وفي أنفسنا شك بقدرتنا على إحداث تحول كنا قد تخيلناه قبل أن ندرك ما ندركه الآن، وقبل أن نُري أنفسنا أسوأ ما لدينا.

يدخل العام الجديد، ومعه كل العجز والقهر الذي تملكنا في العام المنصرم، لم نستطع إزاحته عن كواهلنا، ولم نقدر على رميه مع التراب الذي ألقيناه فوق قبور شهدائنا، وأي قهر هذا؟

أيها العام الجديد، وإن كان لا بد لك من زيارتنا، فلا بأس، ولكن أرجوك ارفق بنا، وارحم ضعف قلوبنا، وقلة حيلتنا، لا تذكرنا كل مرة بعجزنا وضعفنا، ولا ترم بكل أثقالك مرة واحدة علينا، فقلوبنا الصغيرة لم تعد تحتمل كل مآسينا، ومآسي جيراننا.

أيها العام الجديد، اعذرنا هذه المرة، ودعنا نحتفظ بأحلامنا وأمنياتنا لأنفسنا، دعنا نكبتها في دواخلنا، ونبقيها جميلة ولو أمام أعيننا فقط، فنحن لم نعد نجرؤ على البوح بها، ولم نعد نرغب بالجهر بها، فحب الصمت طغى شهوة الكلام هذه المرة، ليس رغبة بالاستسلام، ولكن خوفاً من استفزازك وتذكيرك بأسوأ مما تخطط لنا، وخوفاً من فتح شهيتك على مزيد قهر لم تفطن له بعد.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة