عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
2.7 k

قبل موتي بقليل.. هذه رسالتي

30/1/2017

تنويه: قد تكون الأحداث الواردة أسفله واقعية، مع مسحة خيالية، أو خيالية مع تسلل بعض الواقع إلى أسطرها، لكن الواضح والأكيد أنها ليست متفردة، بل تكررت بنفس التفاصيل والظرفية العامة في أرجاء مختلفة من هذا العالم التعيس والمثخن بالجراح...

إيجمان...

 

الجبل المطل على سراييفو، أو خط الدفاع الأول عنها، إبان الحصار الرهيب الذي طوق العاصمة البوسنية في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وهو الذي شهد معارك عنيفة بين الميليشيات الصربية ووحدات الجيش البوسني الفتي للسيطرة عليه بالكامل.

 

مفاوضات ماراثونية، أفضت في النهاية إلى خروج عصابات العدوان التي فشلت في تحقيق مرادها بعد اصطدامها بمقاومة بوسنية شرسة، ودخول قوات فرنسية تابعة لحلف شمال الأطلسي إلى المواقع التي احتلها الصرب سابقا، للمساهمة في استتباب أمن لم يكن أحد يثق بقدرته على وضع حد لحمام الدماء المتدفقة في البلقان.

 

اسمه برونو، مراسل صحفي فرنسي شاب، رافق عناصر القوات الدولية بعد استلامها لمواقعها على سفوح الجبل، وبدأ مباشرة في توثيق ما رأته عيناه.

 

لو كانت للموت رائحة لقلنا بأنها أزكمت الأنوف في إيجمان...

يقولون بأن المحتضر يستعيد شريط ذكرياته كاملة قبل موته، لا أدري ما مدى صحة المقولة، لكنني أشعر فعلا بأن الماضي يصر على أخذي إليه.

الجثث متناثرة هنا وهناك، والدماء الجافة تركت أثارها على العشب الأخضر الذي يجبرك على الاعتقاد بأن هذه السفوح روضة من جنان الأرض، وأنها لم تكن قبل أيام معدودة أو ربما ساعات قليلة قطعة من الجحيم، تنهال عليها حمم الحقد والغضب من كل حدب وصوب.

 

لفتت انتباه برونو جثة لجندي شاب، زين شعار الجيش البوسني ملابسه العسكرية، واختلط التراب بجبهته خصلات شعره الأشقر الذهبي، فيما تدلت ورقة صغيرة مطوية من جيب سترته...

 

انتزعها برونو ببطء، ثم فتحها، ليجدها مكتوبة بقلم رصاص، وبخط صغير أنيق خالطه بعض الاضطراب الذي يوحي بأن صاحبه لم يكتب ما كتبه في ظروف طبيعية...

 

من حسن حظ برونو أنه قضى في البوسنة أزيد من ثلاث سنوات، منذ اندلاع أزمة البلقان بشكل فعلي، ما مكنه من إتقان معظم أساسيات اللغة البوسنية، وجعله قادرا أيضا على قراءة محتوى الورقة بسهولة:

 

"حبيبتي ميرلا...

أعلم أنه من الغباء توقع وصول هذه الرسالة إليك، أنا المحاصر رفقة زملائي هنا، على سفح جبل إيجمان، نواجه الموت في كل لحظة، وننتظر هجوما صربيا كاسحا ندرك جميعا أنه لن يمر، ولن يحقق أهدافه إلا على جثثنا.. لكنني محتفظ ببارقة أمل يمنحنا إياها القدر في كل مرة ليثبت لنا أن لا مستحيل معه.

 

اعتبريها إذن رسالة وداع أخيرة قبل رحيلي عن هذه الدنيا، رسالة لم أكتبها إلا لأنني اقتنعت بأن افتتاحها بكلمة حبيبتي سيكون خير عزاء لي وأنا أستعد لمعركتي الأخيرة.

 

سأموت بعد ساعات، أو ربما دقائق، مجهول الإسم والهوية، ستزرق شفتي من البرد، وسترقد جثتي هنا وحولها بركة كبيرة من الدماء...

 

يقولون بأن المحتضر يستعيد شريط ذكرياته كاملة قبل موته، لا أدري ما مدى صحة المقولة، لكنني أشعر فعلا بأن الماضي يصر على أخذي إليه.

 

أتذكرين كيف بدأ كل شيء؟ عندما قابلتك لأول مرة في الكلية، في سنتنا الأولى، سنة 1989، مفعمين بالآمال المتطلعة نحو مستقبل أفضل.

 

كان لقاء عاديا هادئا وطبيعيا، لا علاقة له بذلك المشهد السخيف الذي تصر معظم الأفلام على تكراره، عندما يصطدم الطالب بزميلته وتسقط كتبهما أرضا إلخ...

 

ما اصطدمت به يومها هو فتنة عينيك الساحرتين اللتين أدركت معهما بأننا خلقنا لبعضنا...

أو هكذا خيل إلي على الأقل!

 

صحيح أن الأوضاع لم تكن تبشر بالخير منذ وفاة تيتو وتراخي قبضة الشيوعيين على البلاد، وقد ظهر جليا بأن يوغوسلافيا تتفكك، وارتفعت حدة الخلافات القومية والعرقية بين أبناء الوطن الواحد، لكننا تجاهلنا كل هذه التفاصيل السياسية، وعشنا منفصلين تماما عن كل ما يحيط بنا، معتبرين أن الغد سيكون أفضل رغم كل شيء.

هل كنا مخطئين عندما تمسكنا بتفاؤل لا يعتبره كثيرون إلا حماقة مثيرة للسخرية؟

ممكن!

 

نعم أنا مسلم، وأنت أرثوذكسية، لكننا تحدينا الجميع وتزوجنا ونحن مازلنا طالبين، ثم أنجبنا ابننا الأول سميح بالتزامن مع تخرجنا، ومع اندلاع الحرب القذرة وإطباق الصرب لحصارهم على عاصمتنا الفاتنة سراييفو...

 

هل جاء اختيار اسم سميح لابننا عفويا، أم أننا وجهنا بذلك رسالة للآخرين حول المصير الذي ينتظر بلدا حذف مصطلح التسامح من قاموسه؟

لا أدري...

غادر معظم أفراد أسرتك سراييفو متوجهين نحو بانيالوكا الملاذ الآمن للصرب الأرثوذكس بعيدا عن بؤر القتال المستعرة في معظم أرجاء البوسنة.

 

رفضت أنت اللحاق بهم، مفضلة البقاء إلى جانبي، رغم أنني ألححت عليك في الذهاب، على الأقل حتى أطمئن عليك وعلى سلامة ابننا، لكنني أجبتني يومها وأنت تتأملينني بعينيك الخضراوين:

 

- البقاء إلى جانبك حياة، وإن انهالت القذائف على رؤوسنا كل يوم، والبعد عنك موت، وإن عشت في أكثر الأماكن أمانا على وجه الأرض!

 

لن أقول بأنني أحمل بندقيتي وأقاتل دفاعا عن الشرف والتضحية والإباء وكل هذه الشعارات التي أعلم في قرارة نفسي بأنها أكبر من أن أستوعبها أو أفهمها... أنا أقاتل فقط ليعيش ابني سميح مستقبله في هدوء وسلام، هذا كل ما في الأمر!

وعندما أعلن النفير وبدأ تشكيل القوات المدافعة عن سراييفو كنواة لجيش مستقبلي، كنت أول من طالبني بالخروج وحمل السلاح، وعندما تعجبت من إصرارك، رغم أن الأمر يتعلق بقتال أبناء قوميتك، أجبتني:

- الوطن أرضنا جميعا وإن اختلفت قومياتنا وأدياننا، والمعتدي عدونا جميعا وإن شاطرنا القومية والطائفة، سر في حماية الرب...

ولم أرك بعد ذلك أبدا...

 

لم نغادر مواقعنا في الجبل، خوفا من وقوعها في يد الصرب، رغم تمكن أبناء سراييفو من تحطيم قبضة الحصار وحفر نفق الحياة بين بوتميير ودوبرينيا، وهو الذي أمدنا منذ الليلة الأولى لافتتاحه بوحدة عدنان سولاكوفيتش العسكرية التي خففت عنا بعض الضغط.

لكن الهجمات الصربية أعنف من أن تحتمل...

 

هم يعدون الآن لهجومهم الأضخم، بالمدفعية والمدرعات، ونحن نودع بعضنا في الجبهة، متأكدين بأن الموت قادم، لكن بعد الاستبسال في إيقاف العدوان رغم تواضع أسلحتنا وقلة ذخيرتنا.

 

لن أقول بأنني أحمل بندقيتي وأقاتل دفاعا عن الشرف والتضحية والإباء وكل هذه الشعارات التي أعلم في قرارة نفسي بأنها أكبر من أن أستوعبها أو أفهمها...

أنا أقاتل فقط ليعيش ابني سميح مستقبله في هدوء وسلام، هذا كل ما في الأمر!

للأسف، أنا وأنت كنا سيئي الحظ، فقد تصادف ربيع عمرنا مع خريف هذا الوطن، لكنني ما زلت محتفظا بذلك التفاؤل الأحمق في أن ابننا سيكون أحسن حظا منا...

ها قد دوى أزيز الرصاصة الأولى يا ميرلا، لقد بدأت المعركة الأخيرة!

أكره لحظات الوداع، لذلك لن أطيل الكلام أكثر من ذلك وسأقول فقط: كوني قوية، ونلتقي "هناك" إن شاء العلي القدير..."

 

التمعت الدموع في عيون برونو وهو ينهي قراءة الرسالة، ثم طواها بحرص ودسها في جيبه، وطلب العودة إلى سراييفو على وجه السرعة وقد اتخذ قرارا لا رجعة فيه.. سيبحث عن ميرلا وابنها سميح، رغم أنه لا يعرف عنهما أي شيء، ليسلمهما رسالة الجندي المجهول الأخيرة.

هل عثر عليهما؟

تلك قصة أخرى...

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة