عمرو بسيوني
عمرو بسيوني
  • عمرو بسيوني
  • كاتب ومحقق وباحث في التراث والفكر الإسلامي والفلسفة
1.3 k

من ثمارهم تعرفونهم (8).. سنوات الحصاد الضائعة

30/1/2017

(1)

لا شك أن الحداثة مع غزوها للبلاد الإسلامية منذ مطلع القرن التاسع عشر؛ أنها قد وجدت مجتمعات إسلامية مهترئة، على المستوى الاجتماعي والسياسي، يتحكم فيها الاستبداد والفساد سياسيًّا، وتتلاعب بها الخرافة والركود العلمي والثقافي.

 

وعلى المستوى الإسلامي لم يكن الإسلام مفعَّلًا في الحياة كما ينبغي، فقد قلّ منسوب التوجيه الإسلامي للسلطة والمجتمع إلى حدٍّ غير مسبوق في نسخ الانحطاط الإسلامي السابقة.

 ومع ذلك، وباستثناء الوهابية - كما رصدنا في مقال سابق -؛ فإنه لم تقم حركة داخلية تستهدف الإصلاح الديني الداخلي كأولوية لها، فقد ظلت الحركات الدعوية الصوفية والعلمية التقليدية تمارس نشاطها، وهبّت بعض حركات الجهاد المقاومة للاستعمار، وكان غالبها بصيغة صوفية أيضًا.

 

لم يحدث التغير الملموس إلا عقب سقوط الدولة العثمانية تماما في الثلث الأول من القرن العشرين، والتي كانت بدورها إمبراطورية مريضة وفاسدة، لا تقدم صورة إسلامية على أي مستوى، سواء في الحكم أو الاجتماع. إلا أن بُعدها الرمزي قد اتضح بعد سقوطها. فصحيح أن كثيرًا من الإصلاحيين الإسلاميين كانوا لا يخفون ازدراءهم لحكم العثمانيين، بل شارك بعضهم في محاولات جادة لإسقاطه؛ إلا أنه لما سقط فعليًّا؛ سَرَتْ هزة في الوعي الجمعي للإسلاميين في ذلك الوقت، وجرت محاولات يائسة لتجمع إسلامي يحل محلها - الجامعة الإسلامية -، وحاولت الدولة السعودية الناشئة وراثة ذلك الوضع الإسلامي في ظل أنظمة عربية تخضع للاستعمار وذات مرجعيات ليبرالية - ولو شكليًّا -.

 

في تلك الأثناء كانت الصحوة الإسلامية قد نشأت، منذ أوائل القرن العشرين، عند ورثة جمال الأفغاني، والإمام محمد عبده، لتستمر في صيغتها السلفية عند رشيد رضا، الذي عاصر سقوط الدولة العثمانية، وسعى في دعم خيارات بديلة كالدولة السعودية.

إلا أن الجديد قد أتى مع حركة إسلامية جديدة، جمعت لأول مرة بين الهم الإصلاحي الذائع آنذاك، وبين البُعد والصيغة الشعبوية، وهي حركة الإخوان المسلمين.

 

قدرت دعوة البنا، وبما له من سمات ومميزات شخصية في حقيقة الأمر، أن تصنع هذه الخلطة الجديدة، التي وصلت بها إلى مجالات ومناطق لم تقدر الدعوة السلفية الإصلاحية - سواء في تجربة عبده أو رشيد أو الوهابية الثالثة - أن تستطرق إليها قط. فقد نزلت إلى مجال الجماهير، إلى العامل في مصنعه والتاجر في دكانه، وطرقت أبواب السياسة الحديثة، ونافست على السلطة سلميًّا وبالقوة.

 

ولذلك لم يكن غريبًا أن تحصل على القسط الأكبر من كعكة الحكم كشريك أساس للعسكر بعد الإطاحة بالملكية المصرية، كأبرز تيار شعبوي - وليس إسلاميًّا - قادر على التأثير، وهي الشراكة التي لم تصمد إلا أقل من سنتين، كما هو معلوم بعد ذلك.

 

التجربة الإخوانية المصرية الهائلة في محاولة إصلاح النظام من الداخل، عبر تحالفات وولاءات هشة، والتي أدت إلى تكرر تجربة الانكسار نفسها ثلاث مرات في ستين سنة؛ فهذا أمر واضح للعيان، وشاهد على مدى الخفة والارتجال والعَدْو دون النظر إلى موطئ القدم

وأثناء الحقبة الناصرية التي عُصف فيها بالإخوان في مصر وسوريا، تسربت كثير من الكفاءات إلى العدو التقليدي لناصر: السعودية. وهناك جرى مزجٌ ما بين التصورات العقدية السلفية - في صورتها الوهابية بخاصة - مع الحركية الإخوانية، لينشأ التيار المسمى بالسرورية - وليس لسرور عامل محوري في تكوين هذا البناء -، والذي احتضنته المملكة الوليدة، التي كانت تحاول في تلك الفترة أن تقدم صورة إسلامية جامعة، وتتخفف من أعباء الوهابية التقليدية، مستغلة المد القومي المعادي للدين في العراق وسوريا ومصر.

 

ولكن ظل هذا التيار كامنًا حتى بزغ نجمه مع أزمة حرب الخليج بعد احتلال الكويت، حين جهر بعض الدعاة والمشايخ المحسوبين على هذا التيار - الذي بات يعرف بالصحوة - بمخالفة سياسة الدولة في الاستعانة بالقوات الأجنبية.

 

 (2)

نخلص مما سبق إذن إلى أن: حركة الإخوان المسلمين بصورة أو بأخرى هي الأساس التاريخي، والنظري أيضا ولو بدرجة ما، لجميع التيارات الإسلاموية اللاحقة عليها، وبخاصة وبصورة موضوعية: التيارات الحركية، التي هي موضوعنا الأساس. سواء منها تلك التي تفعّل الحراك إلى حد استعمال القتال كالتيارات الجهادية، أو التيارات الحركية غير الجهادية.

 

يجري تعريف التيارات الحركية بأنها تلك التي تعتمد المدونة الإسلامية كنصوص وفقه في التعاطي مع الوضع السياسي الحديث، سواء كان ذلك الاعتماد مستلزمًا للمشاركة في العملية السياسية، أو عدم المشاركة سواء كليّا أو جزئيًّا، ويرافق اختيار عدم المشاركة في العملية السياسية اختيار أنواع أخرى من الحراك، سواء السلمي، أو المشتبك مع التيارات الجهادية أحيانًا ولو بصورة جزئية.

 

(3)

يمكن أن أقول إن السمة العامة للتيارات الحركية هي الضبابية. وكما أن الفكرة الإخوانية قد استمدت حيويتها وانتشارها من شخصية حسن البنا الفذة في ذلك المضمار؛ فإن ذلك الضباب برأيي مستمَدُّ من الشخصية نفسها.

 

الإمام ذو الخلفية العلمية الجيدة كان تصوره الحركي مقدّما - وباكتساح - على النظري. لا تجد اختيارات عقدية أو فقهية أو مقولات نظرية واضحة وجليّة للبنا. يمكنك أن تجد كل شيء، وعكسه، والأهم: أن تجد الشيء الذي لا تعرف ما هو على وجه التحديد. لا أريد أن أكون كانطيا وأثرثر عن العلم المستحيل بالشيء في نفسه، ومدى انطباق ذلك على المنجز البنائي؛ لأنني أتكلم عن تيارات إسلامية لا تحبذ الفلسفة بطبيعة الحال.

 

فالبنا قد ذم الأحزاب حتى شابه كلامه فيها التحريم، لكنه اشتغل بالسياسة وفعليًّا كان قد شكل حزبًا له مقومات الأحزاب. ومآلًا قد شكل الإخوان حزبا سياسيا بمجرد إتاحة الفرصة لاحقا. والبنا الذي طالما ندد بالثورات وأن الإخوان ليسوا حركة ثورية ولن يشاركوا في ثورة، قد اندمج تياره في انقلاب يوليو، ثم ثورة يناير، ويمكن أن يشارك في أية ثورة. البنا الذي طالما دعا للسلمية، قد أنشأ جهازا خاصا للاغتيالات. والبنا قد هاجم العملية الانتخابية والبرلمانات، ثم شارك فيها حتى الثمالة، ليرجع بعدها إلى أنه كان خيرًا له ألا يفعل، وأنه لو استقبل من أمره ما استدبر لكان يُلزم الإخوان بالمأثورات - أدعية مختارة - والتزكية والعمل الدعوي.

 

بعض الباحثين يتكلم، وكتب بالفعل، عن معالم الفكر السياسي للبنا، لكنني ومع قراءتي الكثيرة لتراث البنا والمكتوب حوله؛ ما زلت لا أعرف - في الحقيقة - ما هي معالم الفكر السياسي للبنا. كما أنني وبالدرجة نفسها لا أعرف معالم فكر البنا الإصلاحي على المستوى الديني.

 

(4)

ليست الإشكالية في تصوري مجرد التغير في الآراء، ولا في نفس الاختيارات أيضا. فلا بأس عندي أن يختار البنا انتهاج العمل المسلح، أو العمل السياسي، أو ينزع فلا يختارهما، ولكن الإشكال الأساس هو الضباب. هو غياب الرؤية الفكرية المحددة، وغياب ضوابط النظر والاختيار والاجتهاد، في القول الأول، وفي القول الثاني، وفي الحالات التي يحمل عليها على الأول والتي يصار فيها إلى الثاني. إنه تيه وجريٌ كيفما اتفق، وليس مرونة، أو اجتهاديات مبنية على تغير المعطيات أو أدوات النظر.

 

الحركة والتكتل. هذه هي البذرة البنائية التي طرحها في الحقل الإسلامي، الذي كان مغرقًا في الصراعات النظرية والانسحاب الواقعي، ولذا كان من الطبيعي أن يحتل أغلب مساحاتها طبقًا لنظرية شغل الفراغ المعروفة. هذه هي البذرة التي مَنْ يفهمها؛ يفهم الحقيقة الفكرية للتيارات الحركية ولا يستغرب اختياراتها. لقد هدف البنا إلى تشكيل تكتل إسلامي، حركة جامعة، هو قال إنها سنية وصوفية وكشافية ورياضية واقتصادية، وكل ما يمكن جمعه إلى بعض.

 

ومن هنا لم يكن عبثًا أن يلبس هذا الثوبَ المترهل تياراتٌ متناقضة، فيخرج منه القطبي والجهادي والتنويري وشبه العلماني والمحافظ - الذي هو امتداد للبنا لا يُعرف ما هو بالضبط -، والجميع يجد فيه ما يطلبه، فضلًا عن شموله للتيارات العقدية والفقهية المختلفة، ومن ثَمَّ كان التعيير السلفي المستمر للإخوان أنهم منهج تمييعي لا ينصر حقًّا في المسائل العقدية والفقهية.

 

وليس هذا بمجرده الإشكال عندي أيضا، فلا مانع من تعاون جميع التيارات العقدية والفقهية فيما هو متفق عليه ومصلحة الاجتماع عليه أولى من التفرق على غيره، ولا يجب أن تحسم جماعة ما كل ما هو مختلف فيه كي تنطلق في العمل لمصلحة الإسلام، ولكن المعضلة ببساطة أن ذلك التشظي هو شيء محوري في مكون الجماعة الفكري أصلا، فلا نعرف ما هي محددات التعامل مع هذا الخلاف، وضوابطه، والأهم من ذلك كله: هو ما يتعلق بتصوراتها الإصلاحية الضبابية، التي ينبغي أن تكون محل الاتفاق المشترك بين المنتهجين له - بقطع النظر عن خلافاتهم العقدية والفقهية -. الأمر يشبه فسيفسائية الإمام محمد عبده، الذي تفرق أتباعه إلى أجنحة سلفية وتنويرية وعلمانية في آن واحد.

 

(5)

أثناء الاقتتال الذي اشتعل عقب الانقلاب على نتائج الانتخابات التي أتت بالإسلاميين في الجزائر؛ تولى كثير من الحركيين الدعوة المنفلتة بتسعير ذلك القتال عديم الجدوى وبجهل وضعف في النظر، إلى حد مخجل في حقيقة الأمر

لم تحصد التيارات الحركية شيئًا على مستوى الصراع السلطوي. سواء في الصورة الإخوانية المحضة، أو الصورة الصحوية، لظروف مختلفة ومعقدة، ليست جميعها خارجة عن مسؤوليتها. ولكنها حققت بعض المكاسب الاجتماعية، التي لم تخل من سلبيات أيضا بطبيعة الحال.

وليس هذا ما سأركز عليه في كلامي، بعكس ما قد يُتوقع. فالشأن السياسي معقد، ومشتبك، وفرص أي إسلامي بقطع النظر عن منهجه الفكري في تحقيق نجاحات فيه هي فرص ضئيلة جدا وستبقى ضئيلة.

 

الحصاد الذي أتناوله هنا هو ما عنونت به: سنوات الحصاد الضائعة. ذلك التيه الفكري والمنهجي، ومن ثَمّ الواقعي الذي تجثم فيه التيارات الحركية. إنني أسمي التيارات الحركية في عمومها (مشروع اللامشروع)، و(تيارات الحركة بركة). قد تكون عباراتي قاسية، ولكنني أحب أن أطرح معجمي كما هو ليدخل في السياق التداولي حول تلك الأفكار.

 

قدرٌ كبير من العبثية وعدم الجدوى؛ تتسم به تلك التيارات، وأتباعها، الذين تضيع زهرة أعمارها في اللهث خلف اللاشيء. لقد تعرض الحركيون - على اختلاف نسخهم - لاختبارات كثيرة أظهروا فيها قصور أدواتهم في التحليل ومن ثم التقويم، وهذا أمر ناجم بالأساس من التيه المنهجي الذي ندعيه. فنجد أغلب الأحداث السياسية الكبرى التي خاض فيها الدعاة الحركيون؛ قد تعاملوا معها بقصور هائل، أما التجربة الإخوانية المصرية الهائلة في محاولة إصلاح النظام من الداخل، عبر تحالفات وولاءات هشة، والتي أدت إلى تكرر تجربة الانكسار نفسها ثلاث مرات في ستين سنة؛ فهذا أمر واضح للعيان، وشاهد على مدى الخفة والارتجال والعَدْو دون النظر إلى موطئ القدم، بل ودون الانتفاع من تجربة سابقة جرت لنفس الجماعة.

 

ولكن على سبيل المثال في أثناء الاقتتال الذي اشتعل عقب الانقلاب على نتائج الانتخابات التي أتت بالإسلاميين في الجزائر؛ تولى كثير من الحركيين الدعوة المنفلتة بتسعير ذلك القتال عديم الجدوى وبجهل وضعف في النظر، إلى حد مخجل في حقيقة الأمر، الأمر نفسه تكرر مع أحداث الربيع العربي، الذي تعاطي معه كثير من رموز هذا التيار بخفة لا يليق أن تكون من أهل العلم، من جهة صبغه بالمفاهيم الإسلامية - بل والمفاهيم الخاصة بتياراتهم بالتحديد -، والتعامل معه بفرح صبياني، وإصدار أحكام ساذجة عليه وعلى تحدياته وعلى ما ينبغي فعله في خضم تطورات أحداثه، بمنطق يشبه منطق المقامرة، والسير على مبدأ (لعلها ستأتي هذه المرة) الجنوني حين يفتقد لأبسط مقدماته وأسبابه.

 

الأمر نفسه في الحالة السورية والعراقية، فقد تورط الغالب الأعم من رموز ذلك التيار ليس في اقتحام أمر سياسي وعسكري معقد أكبر من قدراتهم وأدواتهم، حتى خرجوا يتكلمون بالكلام الساقط - شرعيًّا وسياسيًّا - كقتل مليون إنسان مقابل الحرية، ولكنهم في سبيل ذلك قد زكوا ودعموا تيارات تبين لهم لاحقا مدى غلوها وفسادها. حتى داعش في نسختها الأولى - نسخة الزرقاوي - حين أرسلت تيارات عراقية جهادية سلفية تستنجد ببعض علماء ذلك التيار من بغيهم وظلمهم؛ أجابهم هؤلاء العلماء بما يشبه التطييب ومنهج أبي حسل.

 

لا لشيء إلا لأن الحركة تدفع إلى التنظير، وليس التنظير هو الذي يسوغ للحركة ويؤسس لها.

ضعف الإمكانات، وصعوبة التحديات؛ ليس مسوغا لأي تحرك والسلام، وليت هذا التحرك فارغا لا لك ولا عليك، لهان الخطب إذن على جلالته؛ فكيف وهو مُضِر لك مُذهِب للقليل الذي في يدك؟

 

وينبغي أن أشير إلى أنني لا أقول ذلك على سبيل المزايدة السياسية الرخيصة، فجميع المسلمين ما داموا مسلمين فلهم حقوق واجبة لهم، ومساحات مشتركة للتعاون إذا رجحت مصلحته، ولو كانوا غلاة، ولكن الشأن في التهليل والاستبشار والتزكيات التي يظهر بعدها أنها كلام فطير لا علم فيه ولا تدبر بعواقب الأمور، ثم هم يرجعون إليه كل مرة، ولو فتنوا في العام مرة أو مرتين. وكذلك لست من التعساء الشامتين في جراح المسلمين، المبتزين بها خصومهم الفكريين، من الذين يقولون إن هؤلاء الدعاة أدوا إلى ما صار من ويلات، لأن حقيقة أثرهم ضعيف في حدوث ذلك على أرض الواقع بلا شك، ولا يعلق ذلك الأثر بهذا التأثير إلا أحمق، أو مكايد معتوه، ولكن الحكم على نفس التصرف، ومدى القصور والتقصير والخفة الذي فيه، وهذا أمر ذاتي ينبغي الحكم عليه ذاتيًّا، وعدم التنصل منه.

 

(6)

ليس الأمر مقتصرًا على التيه المنهجي، والخفة غير المسؤولة ولا المنضبطة في التعاطي مع الأحداث، وتقديس الحركة والانفعال لها ولأجلها فحسب.

 

الثمرة الأخرى السيئة التي نجنيها من ذلك التيار، والتي يصدق عليها اسم الضياع أيضًا، هو تلك الحالة من الاستنزاف الشعوري والجهدي جراء الجعجعة بلا طحن. فإذا كانت الثمرة السابقة نوعًا من خبط الرأس بالجدار، فإن هذه الثمرة هي من نوع الحركة الموضعية، التي يجري فيها الإنسان في مكانه.

 

ذلك اللهث فيما لا فائدة منه، ولا يقدر الإنسان على التأثير فيه، والانصراف بسببه عن المقدور المشروع. فإنه كما جرت العادة بأن من يترك المسنون وقع في المبتدع، فكذلك من انشغل بغير المقدور لابد أن يترك من المقدور بحسبه.

 

ما فائدة أن تقرأ عشرة كتب في السياسة، أو تتابع جميع نشرات الأخبار، وأنت فارغ لا علم عندك بحقيقة الحال والواقع، ولا عندك فقه في الدين الذي لا يحل الكلام بالتحليل والتحريم إلا من جهته، والأهم من ذلك أن تزري على من يتعلّم ويعلّم العلم النافع

تلك التيارات أحرقت شبابها في الجدل الفارغ والعنف اللفظي، وشرعت لهم باب الكلام بغير علم، في الدين والدنيا، فصار الجميع محللين سياسيين واستراتيجيين وعسكريين، والأخطر أن الجميع صار من أفراد العلماء الذين يخوضون في دقائق المسائل الشرعية الخطيرة، في أحكام الدماء والكفر والإيمان. أدخلوهم أتون النزاعات والشقاق والجدل وتغير القلوب والحزبيات المحرمة، مع جهلهم وعدم معرفتهم.

 

ناهيك عن الانشغال بكل كبيرة وصغيرة من أحداث السياسة الواقعية، وحسبان أن ذلك يغني عن العلم والعمل فيما يقدر الإنسان على إصلاحه من دوائر تأثيره المباشرة. تلك الحالة من البطالة والعطالة التي تشيع في صفوف كثير من الإسلاميين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وينصرون الإسلام والمسلمين.

 

لقد ثارت وقائع طريفة في خضم صراع الصحوة مع تيار السلفية العلمية التقليدي حول قضية مطالعة الصحف والمجلات السياسية، حيث اعتبر التيار التقليدي ذلك نوعًا من صرف الشباب عن العلم النافع، بل اعتُبِر حزبية وابتداعًا في خطاب بعض الرموز العلمائية للسلفية. هذا غلو. ولكن بالمقابل: كان هناك غلو مقابل. فما فائدة أن تقرأ عشرة كتب في السياسة، أو تتابع جميع نشرات الأخبار، وأنت فارغ لا علم عندك بحقيقة الحال والواقع، ولا عندك فقه في الدين الذي لا يحل الكلام بالتحليل والتحريم إلا من جهته، والأهم من ذلك أن تزري على من يتعلّم ويعلّم العلم النافع، أو من يسكت عما لا يعلم ويتوقف فيما لا يحسن. لا يجب أن تغفل عن ذلك.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة