محمود هدهود
محمود هدهود
332

النظام المصري والاقتصاد: رأسمالية متوحشة أم تخلف سياسي؟

4/1/2017
كثيرا ما تعرضت دول في العالم لأزمات اقتصادية وفرض رأسمالية اقتصادية لا تضع اعتبارا لتبعاتها الاجتماعية على قطاعات عريضة من الشعب عقب الانقلابات العسكرية، وتبقى انقلابات أمريكا اللاتينية مضرب مثل في ذلك، من انقلاب تشيلي وانقلابات الأرجنتين، وصولا إلى الانقلابات غير العسكرية مؤخرا، كما حدث في البرازيل بعد الإطاحة بديلما روسيف واتجاه خلفيها ميشيل تامر نحو تقليص النفقات الاجتماعية وسط إشادة إعلامية من الإيكونومست رغم تردي المؤشرات، كذلك الحال مع الرئيس الأرجنتيني اليميني توماس ماكري الذي أنهى العام الماضي أكثر من عقد من حكم اليسار للبلاد.

يتخذ النظام المصري اليوم إجراءات اقتصادية تتفق مع برامج الإصلاح الرأسمالية بوضوح، فقد قام النظام بتحرير سعر الصرف تحريرا أقرب إلى التعويم الكلي، وهو ما لا يطبق في بعض البلدان الرأسمالية القريبة من مصر، كتركيا التي ما زال بنكها المركزي يتدخل لرفع أو خفض سعر الليرة، كما يحاول النظام بوضوح تخفيض النفقات الاجتماعية وبرامج الدعم، كدعم المحروقات والسلع التموينية والخدمات، ويبدو أن قطاع الصحة كذلك في الطريق، فضلا عما يمكن أن نسميه التقشف الصامت، وهو الإصرار على تجميد رواتب الموظفين وحرمانهم من العلاوة السنوية، أو تقليصها إلى ما لا يذكر خاصة مع انخفاض سعر العملة.

يفرض النظام هيمنته بالتدريج على قطاع الإعلام، ويصادر كثيرا من المؤسسات الخيرية والخاصة في المجالات الخدمية للتخلص من الإخوان.
يبدو هذا متسقا مع النظر إلى النظام باعتباره نظاما رأسماليا منحازا إلى الطبقة العليا من رواد الأعمال؛ إلا أن سياسات أخرى للنظام لا تؤكد ذلك. فبنية النظام تسعى إلى تحقيق سيطرة شمولية مباشرة على السوق والمجتمع، وتعتمد على مؤسسات تسلك كعصبيات قبلية تنتظر إقطاعات لقاء دورها في حماية السلطة، ولا تسمح تلك البنية بخلق نظام اقتصاد سوق يحتاج إلى التمايز بين الدولة والسوق.

يفرض النظام هيمنته بالتدريج على قطاع الإعلام، ويصادر كثيرا من المؤسسات الخيرية والخاصة في المجالات الخدمية للتخلص من الإخوان، وتتحرك مؤسسته العسكرية للمنافسة غير العادلة في بعض القطاعات الاقتصادية كذلك.

كما تسعى الدولة لإثراء خزاناتها بمنطق سلطاني عبر فرض ضرائب جديدة على الإنتاج والاستهلاك كليهما كضريبة القيمة المضافة التي تزيد تكلفة الإنتاج على صاحب العمل وترفع سعر السلعة على المستهلك في آن، وسط دعوات متكررة بالتبرع للدولة وتقليص الاستهلاك، بما يضاعف الكساد الذي يعانيه السوق. وبينما يقلص النظام نفقاته الاجتماعية، ينفق ببذخ في مشروعات تعتمد على ميكنة وخبرات مستوردة، ولا تحقق عائدات مباشرة، كتوسعة القناة وبناء محطات توليد الكهرباء.

تمثل أزمة الدواء حاليا نموذجا لتلك التناقضات التي ينطوي عليها النظام المصري، فمع ارتفاع أسعار المواد الخام وانخفاض سعر العملة المحلية، كان من الطبيعي أن يسارع النظام حال كونه بالفعل نظامًا رأسماليًا إلى تحرير سعر الدواء وترك السوق يقوم بعمله المنتظر في ضبط السعر العادل، أو أن يتدخل النظام كنظام عقلاني لدعم سعر الدواء بما يحفظ للشركات مكاسبها من جهة ويخفف العبء الاجتماعي من جهة أخرى، أو عبر رفع كفاءة المنظومة الصحية الرسمية لتقليل احتياج المرضى للأدوية ذات الأسعار المرتفعة أو التي تم تقليل إنتاجها من قبل تلك الشركات كونها لا تحقق مكاسب مرضية. وإذا كانت الشركات أو الصيادلة يحققون مكاسب أكبر من اللازم، فإن فرض ضرائب ضابطة كفيل بتحقيق العدالة اللازمة عبر إعادة ضخ تلك الضرائب في برامج الرعاية الصحية.

إن هذا ما يجعل النظر إلى ذلك النظام باعتباره نظاما رأسماليا هي نظرة قاصرة لا تكشف عن بنيته الداخلية وتناقضاته، بل تخفيها، وهو ما تدركه كبرى مؤسسات الصحافة الاقتصادية في العالم كالإيكونومست وبلومبرج ووول ستريت جورنال التي توجه انتقاداتها مرارًا إلى هذا النظام، بينما لا تقوم بالشيء ذاته تجاه أنظمة أخرى تعاني أزمات أيضًا لكنها تتبنى سياسات رأسمالية متسقة.

فإذا كانت أزمة ذلك النظام في جوهرها هي أزمة بنيته السياسية المشوهة وافتقاده "الرشاد العقلاني rationalization" اللازم لأي نظام حديث أيا كانت ميوله الاقتصادية، فإن أولوية الإصلاح السياسي تغدو حقيقة أكثر ظهورا وضرورية، كما أن تبعات سياسات هذا النظام التدميرية على البنى الاقتصادية المحلية تغدو أكثر فداحة وكارثية، وتغدو إمكانات التعاطي معها وآثارها على المجتمعات العربية، حتى حال تخلي هذا النظام عن سلطاته الشمولية، سؤالا آخر مطروحا ضمن الأسئلة التي تنتظر مستقلبنا الضبابي.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة