آصال أبو طاقية
آصال أبو طاقية
19.1 k

هكذا أحِبّوا زوجاتكم

7/1/2017
هلْ فكرت أنّ ما سأكتبه إليك خارقٌ للعادة، كلا فنحن تكوّرنا من طينةٍ واحدة، أحاول أن أنفضَ بعضاً من الانشغال والإهمال عنك، أُعيد لك النبض، وبالطبع ما دمتَ قد أقبلتَ على قراءة ما اهتديتُ إليه، فبداخلك يقبع قلبٌ جميل، هناك شيء يستفزك نحو الأفضل، فلا تقتله!

لا تُنكر أن أياماً طويلةً قد زارتك بعد الكثير من مواقف حياتك غرقتَ فيها بالتفكير، تٌقارن ما حظِيْتَ به بما يمتلكه الآخرون، إنها فطرةُ الله في النفس، أن تصبو لكلِ ما هو أفضل، حتى إذا ما استظلَّ الواحد منا بظل شجرةٍ بارعة الجمالِ وبهية المنظر، هَنأَتْ روحه وتيقّن أنه الفريدُ المنعّم بجنّته، حتى نظر لما أبعد، اعتكف على هوى نفْسِه، وقال هل من مزيد!

وهكذا الرجل يحاول أن يصل للكمال مع زوجته، يريدها حوريةً لا تخطئ، زهرةً لا تذبل، صبية لا تهرم، صحيحة لا تسقم، نشيطة لا يصيبها كسلٌ ولا عجز، رحيبة لا تشكو، فإن لم تكن فمسارب الظّن ستغرقه بسيلٍ من الشكِ أنها ليستْ مراده، وإن كان رحيماً سيخبر نفسَه بأنها مقصرة في حقه، فينهال على دماغه سيلٌ من الأسئلة، لِمَ ولِمَ! سيترك ياقته مرتخية دون أن يوبخَ قَوامته لمرة واحدة!

تقبَّلها، احتوي اختلافك عنها، وآلف وحشتها، وتعاضد معها على تقويم حياتكما، وإياكَ أن تكسر روحها التي فُطِرتْ عليها
تعاتبا حتى علا صوتها، لم يُضيِّق عليها أو يُجافي جفوتها، بل شقّ قلبه ليتسع لها، حتى دخل والدها وسمع صوتها، فأمسك بها كي يلطمها، موبخاً إياها "إياكِ أن ترفعي صوتك على رسولِ الله"، فحجز النبي بينهما، لم يقبل أن تُهان زوجته وحبيبته، حتى خرج أبو بكر غاضباً، فقال لها الحبيب "كيف رأيتني أنقذتك من الرجل"، يُداعب روحها رغم حدةِ الموقف، يا لحُنو الروح التي تنساب من قوامته الجميلة، تتغاضى عن الصغائر من أجل حبٍ أسمى، لم يُسجلها في دفتر مخالفات الحياة، ولم يحفظها ليراجعها في أول موقفٍ يختلفان فيه، حفظ حبها وأغلق على قلبه بالعفو والصفح.

هي ذاتها الرقيقة عائشة تحمل إناءً فتشرب منه، حتى إذا جاءها طالباً أن يسقىَ نفسه، ناولته ذات الإناء، يمسكه بحبٍ ويضع فاهُه موضع فيهِها، ويرفع اللقمة إلى ثغرها قائلاً: "إنك لن تنفق نفقة إلا أُجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك"، يسعد إذا ما ارتسمت البسمة على شفاهها ولُبيتْ حاجتها حتى وصل تآلف الأرواح بينهما قوله "أطعِم إذا طَعِمت، واكْسُ إذا اكتسيت"، إن الحب تربّع ذروته، فأصبحا جسداً بروحين، يعينها في دعتها ويساندها إذا ما داهمها الوهن والضنى، حتى سُألتْ يوماً ما كان النبي يصنع في بيته، فتجيب: "كان في مهنة أهله"، سيد القلب يعلم جيداً كيف يمنح الحب لقلب زوجته، وكيف يَسلبُ فؤادها، يدرك أن رقّتها الهشة أعظم من أن تُكسر، يحاول أن يتقرب إليها في كل موضع، ويعلم أن السعادة كل السعادة بسلامة قلبها.

يناديها فيُحسن نداءها، يُمتّع سمعها بأجمل الألقاب إلى قلبها "يا عائش"، لم يفكر هلْ ذلك يُنقص من هيبته، أو يكسر عاموداً من استقامته، يُخاطب سمعها فيرسل إليها ما تُحب، ويعلم أن ذلك أدعى لقرب الحبيب إلى حبيبه، وحينما يأتي إليها يتكئ برأسه على حِجرها، يستظل بروحها الجميلة، يعلمُ أن الأنس بجوارها، والمسرة في الحديث إليها، يحفظُ ما يريده ذلك القلب الذي خُلق من جمال بشري، يشوبه الحزن إذا ما افترق، ويزدهر إذا ما اقترب.

لم تلههِ أعباء الحياة ولا ثقل الأبناء، يسير بها إذا ما أدلج الليل فيسامرها، ويُفضى بمكنون فؤاده لها، يمنحها قسطاً من السعادة، ويُعبئ روحها بصفو نسمات الليل الهادئة، تجلياً لهمومها واستشرافاً لراحتها، يبتسم إذا ما مازحته، فتقول له: يا رسول الله! أرأيت لو نزلتَ وادياً وفيه شجرة أُكل منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها، في أيّها كنت تُرْتِعُ بعيرك؟ قال: "في التي لم يُرْتعْ فيها: تعني أن النبي لم يتزوج بكراً غيرها، يتفهم غيرتها فيبتسم، لم يُحاول أن يستفزها أو أن ينتصر لذاته بإنقاص ثقتها، هو يكمّل مداد الود الذي ينساب بينهما.

ولولا المكانة الرفيعة للزوجة في حياة زوجها، لما أوصى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم حينما كان الموت يخطو خطواته إلى روحه أن "استوصوا بالنساء خيراً"، فإن المرأةَ خُلقت من ضِلَع، وإن أعوجَ ما في الضِّلَع أعلاه، فإِن ذهبتَ تُقيمُهُ كسرتَهُ، وإِن تركتَهُ لم يزلْ أعوجَ، فاستوصوا بالنساء".

هو يُخبر كل رجل في هذه الحياة أن يتقبل المرأة على ما هي عليه، هي نَفَسٌ غير نفَسِك، عليك أن تدرك أن مكنونها غير الذي خُلقتَ أنتَ عليه، فلو أراد الله أن تكونا متشابهين لخلق ذكوراً جميعاً أو إناثاً.

لنتناول الحياة، نتنفسها بعمق، ونلقها على عاتقنا كي نُجمّلها في أعيننا أكثر، فلنجرّب، ولنكن مبادرين، ولنقطف زهور الحب بعد ذلك.
تقبَّلها، احتوي اختلافك عنها، وآلف وحشتها، وتعاضد معها على تقويم حياتكما، وإياكَ أن تكسر روحها التي فُطِرتْ عليها.

كم نواسي أرواحنا التي نكسرها بنصوصٍ واقتباساتٍ لكتّاب وأدباء، فنعيش عليها وكأنها سبيل الرشاد إلى وصف حالنا، نغرق في مثالياتها، ونصحو على صفعة المقارنة التي لا تنته، نهرب لنعيش واقعاً وهمياً، ابتعاداً عن رسوبٍ تحصَّلنا أعلى درجاته بما اكتنفت أيدينا، ابتعدنا عن هدي إسلامٍ لو عقلناه بسلامٍ لما وصل حال البعض إلى ما هو عليه، ولو جرّبنا تطبيق بعضه لانتُشِلنا من ذنوبنا التي تجرفنا نحو الهاوية وضياع الحبّ مع النفس.

ولكم تغرّنا رومانسية البعض العلنية، تُشعرنا بأنهم كائنات من عالم آخر، وقد نجهلُ أننا نمارس أجمل من ذلك بكثير إلا أننا لا نمضغه بقلوبنا جيداً حتى تتشربه أوردتنا، وتتفتّح شرفات عقولنا المُهملة، إنناَ قادرون، فقط لنتناول الحياة، نتنفسها بعمق، ونلقها على عاتقنا كي نُجمّلها في أعيننا أكثر، فلنجرّب، ولنكن مبادرين، ولنقطف زهور الحب بعد ذلك.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة