يوم تعز اللغة أو تُهان

9/1/2017

إلى امرئ القيس الذي حاول ملكاً فطال عليه الليل: "وليلٍ كموجِ البحر أَرخى سدولَهُ عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي"، إلى الخنساء تبكي صخراً: "وما عَجُولٌ على بَوٍّ تُطيفُ بِهِ لها حَنينانِ إعْلانٌ وإسْرارُ "، إلى ابن زريق المسجّى على حسرته فما استطاع حملها:" إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفقُها بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ "، فحملها عنه أبو فراس: " يَا حَسْرَةً مَا أكَادُ أحْمِلُهَا آخِرُهَا مُزْعِجٌ وَأوّلُهَا".


أتوب إليهم جميعاً وأعتذر، وإلى الله خالق اللغة الخارجة عن إحاطة الكائنات بها أو إدراك أسرارها مثلما عجزت العقول عن إدراك خالقها، إليه أتوب من عجز لغتي أمام حضرة الماسكين بجمر الكرامة الذين "لم ينته رصاصهم"، أمام حضرة العاشقين الذين يَخطُّون على جدران مدنهم المكلومةِ كلامَهم المقدّس فيصبح سِفراً خالداً لكلّ عاشق.


أما بعد... فلقد رأيتُني مَشدوداً إلى هذا الحديث بعدما وجدت أنّ الأزمةَ اللغويةَ ترتبط بأزماتنا الفكرية والتاريخية والدينية، وترتبط بقوتنا وضَعفنا ووجودنا.


اللّغةُ والحضارةُ:

إنّ أيّ منهج فكريّ أثّر أو يريد أنْ يؤثّر التَّأثير الكبير في النّفوس والعقولِ قد اعتمد أو عليهِ أنْ يعتمد على لغتِه القوميّة بالدّرجة الأولى، ليس اعتماداً ظاهريّا لكونِها أداةً للتعبير ونقل الفكرةِ من حيّزِ المتكلّم إلى حيّزِ المخاطبِ، إنّما اهتماماً بجوهرِ اللغةِ بلاغةً وفصاحة وإعلاماً مقروناً بالصّورة وأدواتها الحديثة، وكما أنّ أصحاب القرار في الوطن العربي لم يُسلّموا "أنَّ السيادةَ الاقتصاديّة رمزٌ للسيادة السياسيّة وأنّ السيادة السياسية مستحيلةٌ بدون سيادة ثقافيّة لغويّة".

 

نجد اليوم في لغةِ إعلامنا تعابيرَ وألفاظٍ قد انزاحت عن أصلها وتراكيبَ قد خالفت أصولَها، وربما لا أصلَ لها في اللسان العربي؛ بل هي نِتاجُ الترجمةِ الحرفية من لغاتٍ أخرى.

فإنّ أغلب أصحاب المشاريع السياسيّة في ثوراتنا لم يُسلّموا بعد أنّ الإعلام_ والخطابُ اللّغويّ من أساسيّاتِه_ هو المؤثّر الكبير في شعوب أمّتهم وفي شعوب الآخر وقاداته السّياسيّة، وأهمُّ من ذلك أنّه المؤثر الكبير في عقول شبابِهم الّذين يجدون أنفسَهم أمامَ خطابين لُغويين خطابٍ يدّعي "الصوفية " لا يزالُ سابحاً في تجليّاته داعياً إلى الاتباع الأعمى خارجاً عن الواقع وخطابٍ يدّعي "الجهاد" مُتخذاً من العاطفةِ المشحونةِ بالحنين إلى الجنّة والحوريّات مستفيداً من خبرات أفرادِه الإعلاميّةِ سبيلاً باطلاً في جلبِ الشّبابِ إلى فكره ومنهجه، وفي كلا الخطابين كفرٌ باللغة وبجوهرها وبالغاية المنشودة منها.


قد كفرَنا نحن العرب بلغتنا في مواطنَ كثيرة وأخطرُها:


كفر الإعلام:
اليوم في لغةِ إعلامنا يجدُ المرءُ نفسَه أمام تعابيرَ وألفاظٍ قد انزاحت عن أصلها وتراكيبَ قد خالفت أصولَها، وربما لا أصلَ لها في اللسان العربي؛ بل هي نِتاجُ الترجمةِ الحرفية من لغاتٍ أخرى، غغدا ما يسمَّى "اللغة الإعلامية"، وهنا لابد لنا من التفرقة بين لغةٍ إعلامية لها روحُها دون أنْ تخالفَ أصول اللسان العربي وبين لغةٍ إعلاميةٍ قد كَفرت بهذا اللسان فحرّفت أصولَه وقواعدَه، فإذا حاورت أصحاب الفئة الثانية في أنّ ما ذهبوا إليه ليس له في العربية أصلٌ زعموا أنّك تُخرج روحَ نصّهم، فتصبح روحُ الإعلامي أقدسَ عندهم من صحةِ اللفظ وموافقته كلام العرب.


إنّ لغة أعلامنا اليوم بحاجة إلى بحث جادّ يعيد قوامها وذلك بالنظر في كلام العرب ولهجاته دون الغفلة عن أنّ اللغة متجددة مرنة ومع مراعاة أنّ لكلّ زمن اشتقاقاته من اللغة، وذلك لا ينبغي التشدد ولا التساهل لأنّ الأول طريق التقوقع اللغوي والآخر طريق الانفلات اللغوي.


كفر التعليم:
في تجربة سريعة وقفت أمامَ ظاهرتينِ لغويّتينِ:
الأولى يَنقادُ لسانُ صاحبتها إلى العربيّة وهيَ الطّفلةُ ذاتُ السّنواتِ السّبعِ الّتي لمْ تُفسد أيّةُ مدرسةٍ عربيّة لسانَها فترفع ما هو واجبٌ رفعُه وتنصبُ ما هو واجبٌ نصبُه وتجرّ ما هو واجبٌ جرّه فإذا سألتها: ما إعرابُ هذه الكلمة؟ قالت "ما الإعراب؟ أنا لا أعرُفه" قلتُ: حسبكِ هذا الآنَ يا صغيرتي، قَدْ بلغتِ الغَايةَ المنشودة.


الثّانية يعجز لسانُ صاحبتها عن التكلّمِ بالعربيّةِ وهي التي بلغت الصفَّ السّادسَ في مدرسةٍ عربيّة وتحفظُ قواعدَ النّحْوِ والصّرف، فحين أسألها عن سبب عجزها تجيب: أستاذةُ اللّغةِ العربيةِ في المدرسة لا تتكلّم الفصيحة فكيف تريد منّي أن أتكلمها؟
كلتا الظاهرتين نشأت في بيتٍ واحدٍ لكنّ الطفلةَ الأولى سمعَت اللّغةَ السّليمةَ من لسان أبيها وبرامج الأطفال الناطقة بالفصيحة فانقاد لسانها إلى العربيّة طوعاً، أمّا الثانية فقد شغلتها معلّمتها بحفظ قواعد النّحو والصّرفِ دون أنْ تمارسَ اللّغةَ أمامَ طلابِها، فأفسدتْ ألسنتَهم بالعاميّة وثقلتْ عليهم الفصيحة، فهل ضرَّ الأولى جهلُها بقواعدِ النّحوِ؟ وهل نفع الثّانيةَ حفظُها للقواعد دون ممارسةٍ عمليّة؟!


إنّ اعتزازَ قومٍ بلغتهم سمةٌ فطرية لكنّ هذه الفطرة لا تجدها في نفس العربي المنسكرة، فلا تراه يعتزّ بلغته مثلما يعتزّ التركي أو الإنكليزي أو الفرنسي أو غيرُهم بلغاتهم، ذلك لأنّ سبب الاعتزاز وعدمَه؛ إنما هو قوةُ الأمة أو ضعفها.

كفر العامة:
في جامعةِ إسطنبول تجد الطلاب والطالبات قد لجؤوا إلى تعلّم العاميّة "الشّامية والمصريّة " لأنّهم يشتكون من العرب الذين لا يُتقنون لغتهم، وما أكثر العرب في إسطنبول!


تقول إحدى الطالبات "أحاور صديقاتي العربيّات باللّغة الفصيحة فيضحكن أطالبهنّ أن يتكلمنها فتثقلُ ألسنتهنّ بها؛ لذلك أريد تعلم العاميّة"، والمصيبة الكبرى أنّ قسم اللغة العربية في جامعة إسطنبول قد خصص مواد لتعليم العامية الشامية والمصرية من خلال كتبٍ كُتبت بحروف عربية.


أوليس الأحرى بالعرب أنْ يتعلموا لغتهم فلا يُلجِئون غيرَهم إلى تعلم عاميّاتهم الكثيرة؟ أليس هذا كفراً باللغة الأمّ وعقوقاً لها؟! تسألني الطالبة التركية: "لماذا لا تهتمون بلغتكم لماذا لا تعطونها قيمة وهي لغة كتاب الله؟" أقول لها: لأنّ الضعيف في واقعه ضعيف في لغته.


اللّغةُ و "الإرهاب":
بعدَ أحداثِ الحادي عشرَ مِنْ أيلول كانَ المسلمونَ عموماً، والعربُ خصوصاً، المتهمَ الأوّلَ، فحدثَ الربط بينهم وبين الإرهاب؛ ولأنّ اللغةَ هي مَعبر الأفكار والثقافة حصلَ الربطُ بينها وبين وأصحابها المنعوتين بـ "الإرهاب" فنُظرَ إليها على أنَّها الأداةُ الرئيسة لصنعه، ومن ثَمَّ فإنّ مكافحتَه تتطلّبُ كسرَ شوكة اللّغة الّتي كُتبَ وعُبّر بها عنه (اللغة العربية)، فاتجهتْ حكوماتُ الغرب كما يذكرُ د عبد السّلام المسدّي في كتابه "الهوية اللغوية والأمن اللغوي" إلى مطالبةِ الحكومات العربيّةِ بتغيير مناهجها التربويّة والدينيّة وعدم تدريس تلك الآيات التي تذكر الجهاد والكفار واليهود لكنْ بالمقابل كانَ الخطاب الأميركي و الغربي يلجأُ إلى الاستشهاد بآياتٍ من القرآنِ الكريم آياتٍ اقتطعَ منها لتناسبَ غايتَه ولا تخدش مشاعر اليهود.


تعالوا نؤمن ساعة:
إنّ اعتزازَ قومٍ بلغتهم سمةٌ فطرية لكنّ هذه الفطرة لا تجدها في نفس العربي المنسكرة، فلا تراه يعتزّ بلغته مثلما يعتزّ التركي أو الإنكليزي أو الفرنسي أو غيرُهم بلغاتهم، ذلك لأنّ سبب الاعتزاز وعدمَه؛ إنما هو قوةُ الأمة أو ضعفها ولأنّ المعركةَ الكبرى معركةٌ فكريةٌ؛ ولأنّ الفكر معبرُه اللغة فإنّ اللغةَ هي السلاحُ الأكبر في ميدان المعارك.


هذا وقت تُعزّ فيه اللغةُ أو تُهان فيُعزُّ بعزّها أهلُها أو يهانوا فأعزّوا لغتَكم يُعزّكم الله.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة