مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
368

قريباً من الموت

29/10/2017
في الباص قبل قليل، تعرضت لحادث سير مريع، راح ضحيته ماعز صغيرة، ونجوت أنا وأصدقائي من الموت بأعجوبة، وبعد صمت طويل مزعج حاول أحد الأصدقاء أن يكسر الصمت ويهون علينا هول الموقف: ماذا لو كنا متنا جميعاً اليوم معاً، من كان سيحمل نعشي يا شباب! آه يا صديقي لربما هذا هو آخر ما يمكن أن تحمل همه.. من يحمل نعشك! الموت قضية الأحياء لا الموتى يا صديقي، اترك هذا الهم للأحياء.. ولكن بما أننا لا زلنا أحياء فإن الموت قضيتنا كما هي الحياة أيضاً. 

ثم أما بعد.. يقول ترانسترومر: "إن الموت يزورك مرتين، في المرة الأولى يأخذ مقاساتك وتنسى زيارته مستمراً في الحياة فيما هو يقوم بخياطة الثوب في صمت"، لو أن كلمات ترانسترومر صحيحة، إذن فقط أخذ عزرائيل مقاساتي، أنا وأصدقائي، بل وبدأ بالفعل بحياكة الثوب.

إلا أن ما أومن به هو أن الرب عندما يشاء أن يسترد منك روحه التي منحها إياك يا صديقي فسيفعل ذلك، وحين يأتي ذاك اليوم المنشود.. سيأتيك عزرائيل، ستقابله يا صديقي وجهاً لوجه، وصدقني لن تنفع أعذار الدنيا كلها في رده.. لا ظروفك الاقتصادية "الـ زي الزفت"، ولا حالتك النفسية "الـ في الأرض"، ولا حتى امتحاناتك التي على الأبواب أو عمرك الصغير نسبياً.. سيأخذك السيد عزرائيل وسيترك لأهلك ما تبقى منك جسداً هامداً يحمل ملامحك الجميلة نفسها، وندوب الطفولة ذاتها، بل وحتى غمازتك التي على خدك الأيسر والتي لا تبدو للناس إلا حين توغل في الابتسامة، هو ذات الجسد، جسدك أنت، ولكنه في النهاية ليس أنت ولم يكن يوما أنت، نحن فقط من نتوهم أننا وأجسادنا سواء، ولكنها في نهاية المطاف تستحيل محض جثث مصيرها التراب.

الحياة كقيمة مجردة تافهة حتى النخاع وكقيمة مضافة إلى الآخرة  هامة جدا حتى الدماغ.. إذ إننا وكذلك الحياة تكتسب قيمتها فقط عندما تتصل بشيء ما أسمى

مواقع التواصل
 
ليتنا نفهم ذلك لنقدر أرواحنا أكثر وأجسادنا أقل، ولنستغرق أكثر في الاهتمام بنا لا بأجسادنا الزائلة البالية لا محالة. أذكر بوضوح لحظتي الأولى مع المشرحة، وذلك الشعور المهيب وأنا أقف بهدوء ووقار وسط الجثث، وأنا أستشعر أنني لا بد يوماً أن أصير أحدها، لم تلبث أن تمر الأيام والليالي سريعاً لأقبض عليَّ متلبساً وأنا أضحك حتى الضرس الأخير وسط ذات الجثث بلا مبالاة ولا حتى اكتراث.

الإلفة كثيراً ما تقتل الإحساس، وتجرد أصحابها من الشعور، كحال الطبيب الذي يرى الموت كل يوم يخطئه ليصيب مرضاه، فيألف ذلك وينسى أنه ذات يوم سيكون هو الضحية. إلا أن محاذاة الموت بين حين وآخر – كما حدث معي- تعيد لك القلب وتشعرك مجدداً أنك لست محصًّناً من أن تكون هدفاً لهادم اللذات، تذكّرك بأنك لست محصناً من أن يزورك عزرائيل.. كما يزور سواك في كل يوم!

عندما ننظر للحياة من هكذا منظار مع وضع الموت في المعادلة ندرك كم هي تافهة ولا تستحق! عندما نضيف إلى المعادلة الجنة والنار والحساب، ندرك مدى أهميتها، أو بالأحرى مدى أهميتنا نحن وما نفعله فيها من عمل!

الحياة كقيمة مجردة تافهة حتى النخاع وكقيمة مضافة - إلى الآخرة - هامة جدا حتى الدماغ.. إذ إننا وكذلك الحياة تكتسب قيمتها فقط عندما تتصل بشيء ما أسمى. هنا توقفت عن الكتابة عندما لوحت لي فتاة جميلة بابتسامة وقالت: ما تدفع! وتركتني أقيس قطر ثقوب ذاكرتي التي يبدو أنها اتسعت كثيراً للدرجة التي أسقطت فتاة كتلك من رأسي.. توقفت عند محطتي، وتوجهت مباشرة إلى البيت وأنا أحمد ربي أنني مازلت على قيد الحياة؛ مدندناً كلمات خوسي مارتي: "لي بلدان.. كوبا والليل" مع بعض التحريف: (بيتي والليل!).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة