قادة الدين
قادة الدين
2.3 k

هل قضى بن سلمان على الدور الإقليمي للسعودية؟!

9/11/2018

من حرب اليمن في الستينيات إلى حرب اليمن الحالية، مرورا بكل الحروب المدمرة الداخلية والثنائية التي عصفت بالشرق الأوسط، خلال الخمسين سنة الماضية، أي حرب تلك التي جرت وأي صراع ذلك الذي وقع ولم يكن آل سعود طرفا فيه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ لم يكن دور السعودية في كل ما جرى في المنطقة عبثيا ولا يأتي فقط من التطلعات الداخلية لنظامها، لكنه كان بالأساس تماشيا مع الهدف الذي أسست من أجله، وتطبيقا لتعليمات وسياسة القوة التي رعت تأسيسها وسمحت بوجودها، وساعدتها لتمسك بزمام المنطقة!


يمكن أن يوضح شيئا من هذا ما ذكره حاييم وايزمان في مذكراته مما جاء في رسالة بعث بها إليه تشرشل بعد الحرب العالمية الأولى، عندما طلب منه التريث في إنشاء إسرائيل؛ الوطن القومي لليهود، وتأجيل ذلك إلى ما بعد إقامة دولة ابن سعود، الذي إن صمت سيتبعه الجميع! هل هذا الكلام صحيحا؟ ألا يبدو نوعا من التجني والكلام العشوائي الذي لا يقوم على أساس؟


إن كثيرا من الوقائع تشهد بصدقية ذلك، فلا يوجد مؤرخ مرموق يمكن أن ينكر دور الإنجليز والأمريكان في تأسيس مملكة آل سعود، وإذا كان الجميع يعترف بدور لورنس في بزوغ دولة الأشراف من مكة وصولا إلى العراق والأردن، فمن ذا ينكر دور جون فيلبي في قيام السعودية؟ وقيادته حملة الاستيلاء على مكة والمدينة انطلاقا من الرياض؟

مثلت الثورة الإيرانية بعيدا عن خلفيتها الأيديولوجية، ضربة موجعة للغرب وللمشروع السعودي، وأظهرت الخطر المحدق بمصالح الغرب، وأبرزت بشكل واضح ما تمثله الشعوب من بركان خامد قد يتفجر في أي لحظة

لقد كانت أمريكا حاضرة في التأسيس وكذلك في البناء، فشركة نفط كاليفورنيا "شيفرون حاليا" ونفط تكساس "تكساكو"، صاحبتا السبق في اكتشاف نفط الجزيرة العربية، قبل ظهور الشركة الأمريكية للنفط "أرامكو"، التي كان لها الفضل في تمويل رفاهية آل سعود، والتي تنازل عنها الأمريكان شيئا فشيئا بعد عقود من الربح الوفير، حتى جاءت سنة 1980، لتتحول سعودية كليا!


وجاء لقاء الرئيس الأمريكي روزفلت بالمؤسس عبد العزيز آل سعود سنة 1945 على ظهر الطراد الأمريكي "كوينسي" في منطقة البحيرات المرة وسط السويس، ليؤسس للعلاقة القادمة بين آل سعود وسادة العالم الجدد، فهذا اللقاء مثل أولا: وراثة أمريكا لإنجلترا في المنطقة، وأيضا: اعتبر بمثابة اتفاق مضمونه تنصيب ملك السعودية وتسليمه مهامه كراع للمصالح الغربية بالمنطقة، في مقابل تعهد روزفلت ومن بعده رؤساء الولايات المتحدة بحماية وضمان أمن الكيان السعودي!


أكد هذا الكلام وظهر جليا هذا الدور مع ضياع فلسطين، حين بدأت المنطقة تتململ تحت أرجل النظم التقليدية التي واكبت الحدث، ووجدت نفسها تدفع ثمن التقاعس والخيانة الذي أدى لفقدان أحد أهم مقدسات المسلمين، فمثّل آل سعود الحصن الذي وقف آنذاك في وجه التغيير، وتصدى لعملية الإطاحة بالرجعية، وبذل أبناء عبد العزيز جزء من فائض أموال البترول التي بدأت تكتنزها خزائنهم على أئمة اليمن، وعلى دعم بقاء الأنظمة التقليدية في إيران والأردن والعراق وأماكن أخرى، لكن الموجة كانت أكبر منهم، وتساقطت بعض النظم لأن التغيير بالأساس لم يخرج عما رسم للمنطقة، لكن رغم ذلك استمر إزعاج آل سعود لتلك الدول، وتواصل تمويل ما يشغل المنطقة ويبقيها في حروب داخلية مستنزفة.


ومثلت الثورة الإيرانية بعيدا عن خلفيتها الأيديولوجية، ضربة موجعة للغرب وللمشروع السعودي، وأظهرت الخطر المحدق بمصالح الغرب، وأبرزت بشكل واضح ما تمثله الشعوب من بركان خامد قد يتفجر في أي لحظة، فانتقلت السعودية للعمل المباشر، وبعد أن فشلت هي وكل الحلفاء الغربيين في الإبقاء على الشاه، لم تترك أشهرا تمضي على ما حدث حتى دفعت بالعراق إلى أتون حرب مدمرة ضد إيران.


لقد كان الهدف معلنا وواضحا، محاصرة الثورة الوباء التي أقضت مضاجع آل سعود والأمريكان معا، في المهد، لقد كان تصرف الشعب مقلقا أكثر من كلام الخميني نفسه، الذي اتخذ حجة، مثله مثل التشيع الذي اكتشف السعوديون وجوده فجأة في إيران؟


من هذه المرحلة بدأ دور آخر للسعودية وهو إحكام السيطرة على كامل العالم الإسلامي دينيا وثقافيا، في مواجهة أفكار الثورة والتمرد، وغمر الدول الإسلامية سيل من المنشورات الدينية الوهابية، التي تربط بين توحيد الله والولاء لآل سعود، واجتهد علماء حوزة نجد في إعادة بعث كل تراث الصراع والطائفية، وألبس على الحاضر، وكل من اشتم فيه آل سعود خطرا ما، كامنا أو ظاهرا، تمت شيطنته لأقصى الدرجات وألبس لباس الهرطقة والزندقة والضلال والزيغ.

عندما بزغ فجر الربيع العربي وهبت رياح التغيير، مرة أخرى كانت السعودية أول من يتخذ خطوة ضده، ففتحت أبوابها بعد أيام من انطلاقه للرئيس التونسي الهارب بن علي، ثم قدمت من الدعم للرئيس اليمني ما أنقذه من الموت

غيتي إيميجز
 

وبالموازاة مع ذلك استمر ذلك الاتفاق الثنائي، السعودية تؤدي بتفان دورها في تنفيذ سياسات أمريكا، وأمريكا تحمي وجودها، فانخرطت السعودية في حرب أفغانستان بكل إمكانياتها المادية والمعنوية، ولم تتأخر أمريكا في قيادة حرب ضد العراق وتدميره لما أحست بشيء من الخطر يتهدد وجود حليفها.


وعندما بزغ فجر الربيع العربي وهبت رياح التغيير، مرة أخرى كانت السعودية أول من يتخذ خطوة ضده، ففتحت أبوابها بعد أيام من انطلاقه للرئيس التونسي الهارب بن علي، ثم قدمت من الدعم للرئيس اليمني ما أنقذه من الموت، وأجهض الثورة اليمنية، وتقدمت أكثر حين رعت الثورات المضادة، فأسقطت الرئيس المصري المنتخب، ومولت ذبح المصريين المتعاطفين معه، وبعثرت الثورة الليبية والسورية.


كان ذلك ما انتهى إليه عصر عبد الله بن عبد العزيز، الذي هيأ الساحة داخليا وخارجيا لتولية ابنه متعب من بعده، لكن بمجرد ما غادر، حدث شيء أربك مسيرة الدولة والعائلة قليلا، ففي خضم صراع داخلي حسم سريعا لصالح الجناح الملتف حول سلمان، ظهر تغير طفيف في توجهات السعودية، فاقتربت شيئا من تركيا وقطر الداعمتين الرئيسيتين للحراك العربي وللتغيير وابتعدت عن السيسي، وعند هذا الحد بدأت حرب اليمن، التي أراد منها العهد الجديد الانقلاب على سياسة سلفه، وانخرط في حرب من دون تخطيط ولا استراتيجية.

وسط الغبار الذي يغطي المنطقة، وفي قلب الزوابع العاصفة التي تحيط بالمملكة وتلك الحروب الشمالية والجنوبية، أطلق ابن سلمان معركة داخلية مدوية، بدأها بعزل ابن عمه الأحق بالملك منه

أشهرا فقط بعد وصول ترمب للبيت الأبيض زاره ولي العهد، وعاد للسعودية بغير الوجه الذي ذهب به، ليعيد العلاقة كاملة مع السيسي، ويطلق تصريحات معادية للإخوان، وتعود السيرة لسابق عهدها، تلا ذلك مجيء ترمب نفسه للمنطقة، وإحياء أكبر احتفال ولاء تشهده البلاد العربية، وعاد معه ترمب لأمريكا وفي جعبته ملايير لا تعد ولا تحصى، ووعود أخرى!


ولم يمضي وقت طويل حتى انكشف الوضع عن حلف رباعي غير مسبوق توجه ناحية قطر، أعلن الحصار والتضييق عليها، بتهمة دعم الإرهاب؟ والحقيقة التي لا يجهلها أحد أن ذلك كان بسبب مواقف قطر الداعمة للتغيير، ويهدف بالأساس لإسكات صوت إعلامها الذي أقض مضاجع العائلة السعودية ومشاريعها كما أزعج أمريكا.


ووسط الغبار الذي يغطي المنطقة، وفي قلب الزوابع العاصفة التي تحيط بالمملكة وتلك الحروب الشمالية والجنوبية، أطلق ابن سلمان معركة داخلية مدوية، بدأها بعزل ابن عمه الأحق بالملك منه، ثم أطلق حملة اعتقالات استهدفت نخبة علمية وثقافية يشهد بتأثيرها، وانتهى بتفجير قنبلة كبيرة، حين وجه ضربة قاصمة للعائلة نفسها، ورمى بأكثر عناصرها خلف القضبان!؟

هل هو جنون السلطة لابن سلمان قد التقى مع جنون حاكم البيت الأبيض؟ هل يقبل سادة السياسة الأمريكية أن يذهب هذا اللغر بكيان مهم يخدم مصالحهم في المنطقة ويحافظ عليها؟

رويترز


ورافق ذلك حملة علمنة معلنة ضربت معتقدات المملكة في الصميم، وأتت على المبادئ التي قام عليها كيان آل سعود، وبفضلها أسس دولته وسيطر على مقدسات المسلمين، وقادهم لفترة طويلة، فتخلل ذلك تغيير قوانين، والتخلي عن سياسات وانتهاج أخرى!


وانتقل التغيير للساحة الخارجية، فأظهر النظام حفاوة غير سابقة بإقامة علاقة مع إسرائيل، ثم تقرب من حكام بغداد، وغير نبرته اتجاه النظام السوري، وختم ذلك باحتجاز رئيس وزراء لبنان ورئيس الجزء الحليف من اليمن؟ ولم يبالي بما قد يحدثه ذلك في الساحتين الداخليتين في كلا البلدين من تداعيات، يمكن أن تؤدي لتغيير في التحالفات التاريخية، وتؤثر على دور السعودية التاريخي هناك، وانتهى المشهد على تصعيد غير مسبوق مع إيران.


لا أعتقد أن هناك من فهم سعي النظام السعودي لفتح عدة جبهات خارجية وداخلية في وقت واحد، مع اليمن ومع قطر ومع إيران ومع تركيا ومع لبنان، وداخلية مع المنظومة الدينية التقليدية ومع أكثرية الأسرة الحاكمة ومع أباطرة المال والاقتصاد، في ظل تهاوي أسعار البترول، وعملية الحلب التي سلب بموجبها ترمب مئات المليارات من جيوب المملكة، وكذلك في ظل غياب حلفاء حقيقيين يعول عليهم في الجوار!


هل هو جنون السلطة لابن سلمان قد التقى مع جنون حاكم البيت الأبيض؟ هل يقبل سادة السياسة الأمريكية أن يذهب هذا اللغر بكيان مهم يخدم مصالحهم في المنطقة ويحافظ عليها؟ أم أن ساعة ذبح البقرة الحلوب قد حانت، ونحن مقبلون على شرق أوسط جديد بالفعل؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة