خليل الناجي
خليل الناجي
1.3 k

كانط وقضية السلام الدائم

19/11/2017

لقد انتبه كانط إلى أهمية فكرة السلم بشكل كبير، وهو من وضع المصطلح الألماني المعروف اليوم ب "عصبة الأمم"، وكتابه حول السلم الدائم هو دعوة إلى إنشاء اتحاد بين الشعوب كوسيلة وحيدة للقضاء على الحرب وتبعياتها رغم اعترافه سابقا بالدور الحضاري للحرب. وقد كان كانط يعتبر بأنه ليست الحرب هي أكبر الشرور فحسب، بل حتى فكرة إمكانية نشوب حرب مستقبلا، ومنه قد يشكل ذلك سببا لصون الحرية والقضاء على الاستبداد في آن واحد. وقد كتب كانط كتابه بصيغة مواد محددة أوضح فيها الشروط الضرورية التي تمكن من إنهاء الحرب. 

 

فما هذه الشروط؟ وكيف يمكن الالتزام بها؟ وهل الالتزام بها يؤدي إلى سلام دائم فعلي أم هي عبارة عن مواد لا تتعدى المستوى النظري مع استحالة تطبيقها واقعيا؟ يعتبر كانط أن حالة السلم ليست هي حالة الطبيعة، بل على العكس من ذلك حالة الصراع والحرب هي ما تعبر عن الحالة الطبيعة للإنسان، وذلك لغياب طرق حقوقية خالية من العنف من أجل تسوية الصراعات. وبما أن السلم ليس هو الحالة الطبيعية إذن وجب إنشاؤه، وكانط لا يقدم من خلال كتابه نموذجا لسلم مؤقت بل هو عبارة عن مشروع سلم دائم وشامل وكوني، وهو بذلك يرفعه من المستوى السياسي إلى المستوى الأخلاقي النابع من العقل العملي.

  
ولا يتحقق السلم حسب كانط بناء على حب البشرية فقط بل عن طريق نظام حقوقي عام بين جميع الناس، ويقوم هذا النظام على أساس تعاقد مدني يُلزم الجميع لأنه لو تم استثناء فرد أو جماعة من ذلك التعاقد وبقوا في حالة الطبيعة تبقى فرصة العودة إلى الحرب قائمة دائما معهم. ومن الخصائص التي يجب أن تطبع هذا التعاقد هو أن يكون قائما على الحق، ويكون ضامنا للحرية. لكن كيف يمكن التوفيق بين الحريات الخارجية للأفراد في ظل العيش المشترك؟ يجيب كانط أنه يمكن ذلك عن طريق تقييد تلك الحرية لكي تندمج وحرية الآخرين، أي بشكل لا تتعارض فيه مع حرية الآخرين، ويتم ذلك عن طريق سن قوانين يخضع لها الجميع دون تمييز. ويؤدي ذلك بالضرورة إلى تقليص مجال الحرية المطلقة لكنه في نفس الوقت يحقق الحرية بالفعل لكون السلم الدائم يتوقف على ذلك.

 

في حالة انقسام دولة إلى جزئين منفصلين يجوز لدولة أخرى خارجية أن تقدم المعونة لإحداهما، وأن ذلك لا يعتبر تدخلا لكون الدولتين  في حالة فوضى.

يقوم كانط بتقديم مشروعه للسلم الدائم عن طريق إيراده لستة مواد اساسية يمكن ذكرها فيما يلي: من شروط المعاهدات القبلية هي النية المسبقة والرغبة في تحقيق السلام، لأنه لو كان الامر عكس ذلك فسوف يتحول مشروع السلم هذا إلى مجرد هدنة مؤقتة أو استراحة للتسلح من جديد. وسيكون وصف هذا النوع من السلام بالدائم مجرد حشو ولغو مريب، ذلك لكون مشروع السلام هذا يجب أن يضم في داخله ما من شأنه أن يقضي على مسببات الحرب بالمستقبل تماما.

 
في المادة الثانية يتجه كانط إلى قوله إن كل دولة كيفما كانت لا يجب أن تُملك من طرف دولة أخرى، وذلك لكون الدول ليست بضاعة كقطعة أرض مثلا بل هي عبارة عن مجموعات انسانية لا يجوز لأحد التحكم فيها سوى هي نفسها، وقد شبهها كانط بالشجرة المستقلة، ودمجها داخل دولة أخرى يعني سلبها وجودها المعنوي وتحويلها إلى شيء من الأشياء.

 
ينتقل كانط إلى المادة الثالثة التي يقول فيها أنه من شروط تحقيق هذا السلام الدائم إلغاء الجيوش بصفة تامة وعلى طول الزمان، ذلك لأن الجيش الذي يبدو متأهبا دائما للقتال يعرض الدول الأخرى للتهديد باستمرار، وأيضا يؤدي ذلك بالدول إلى التنافس والتسابق إلى التسلح. يضيف كانط هنا نفحة أخلاقية واضحة بقوله إن التوجه إلى الناس واستئجارهم للحرب يعتبر بمثابة تحويلهم إلى آلات في يد الدولة، وهذا يتعارض بوضوح مع حقوق الإنسان. ويورد كانط هنا مقابلة بين هذه الحالة والحالة التي يتطوع فيها المواطنون للتدريبات العسكرية من حين لآخر من أجل ضمان سلامتهم وسلامة أوطانهم من العدوان الخارجي.

 

الحرب ليست سوى وسيلة سيئة من أجل اثبات الدولة لقوتها وفي طريقها لذلك تقوم بعمليات إبادة لا تترك مجالا للسلام إلا داخل قبر بشري عملاق يضم الجنس البشري كاملا

رويترز
 

في المادة الرابعة يصرح كانط أنه لا يجب لأي دولة أن تقترض ديونا من أجل المنازعات الخارجية، ذلك لكون الدولة التي تلجأ إلى الاقتراض بغرض تحسين أوضاعها الاقتصادية الداخلية تدبر المال بشرعية لا غبار عليها، ويقول كانط بعد ذلك إن النظام القائم على قروض تتضخم باستمرار يقدم ذريعة لتدخل الدول في شؤون بعضها، ويقدم ذلك قوة مالية خطيرة ووسيلة تمكن من إشعال الحرب. لأنه لو اجتمع ذلك مع ميل أصحاب النفوذ إلى إضرام نيران الحرب بسهولة سيشكل ذلك عائق يحول دون تحقيق السلام.

 
في المادة الخامسة يقول كانط أنه لا يجوز لأية دولة أن تتدخل في نظام دولة أخرى أو في طريقة حكمها، ويتساءل عن المبررات الممكنة لهذا التدخل إن وُجد؟ قد يكون انعكاس مساوئ دولة على شعب الدولة الأخرى، لكن قد يكون ذلك عبرة لرعايا تلك الدولة من أجل تجنب ما وقع في الدولة الأخرى. ويقول كانط أنه في حالة انقسام دولة إلى جزئين منفصلين يجوز لدولة أخرى خارجية أن تقدم المعونة لإحداهما، وأن ذلك لا يعتبر تدخلا لكون الدولتين في حالة فوضى.

 
ينتقل كانط بعد ذلك إلى المادة السادسة والأخيرة التي يقول فيها أنه في حالة الحرب لا يجوز لدولة أن تقوم بأفعال ضد دولة أخرى من شأنها التسبب بفقدان الثقة في حالة العودة إلى السلم، ويقول كانط بأنه هناك أمور شنيعة يجب تجنبها حتى في حالة الحرب وذلك بغرض الإبقاء على نوع من الثقة من طرف العدو، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك وانهت الحرب سوف تتم استحالة إيجاد أرضية قد تضمن تحقيق السلام وتصبح بذلك الحرب عبارة عن عملية إبادة وإفناء. وليست الحرب سوى وسيلة سيئة من أجل اثبات الدولة لقوتها وفي طريقها لذلك تقوم بعمليات إبادة لا تترك مجالا للسلام إلا داخل قبر بشري عملاق يضم الجنس البشري كاملا.

  
كما لاحظنا من خلال هذا العرض لمواد السلم الدائم لدى كانط تتقدم بشكل تبدو فيه أنها صعبة التحقق حتى وإن كانت مقنِعة، وذلك راجع لكون الحكومات ترفض الالتزام بما يتعارض ومصالحها الخاصة، لكن اليوم يتم تعويض ذلك بمؤسسات المجتمع المدني وليس ذلك بمعنى أن هذه المؤسسات أصبحت تحكم بدلا عن الحكومات، بل بمبادرتها إلى طرح ما يمكن مناقشته في المجال العام، والضغط على الحكومات لتحقيق توازن عالمي يلتزم بمبادئ الحق الدولي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة