عمرو وائل
عمرو وائل
407

التكنولوجيا الملعونة

22/11/2017

"اترك هذا الجهاز الملعون وإلا سيدمر عقلك" كم من مرة تكررت فيها هذه العبارة على لسان أم أو أب يخشى على أبنائه من إدمان التكنولوجيا بل في كثير من الأحيان يصب الآباء والأمهات لجام غضبهم من آية عواقب صحية أو دراسية على التكنولوجيا حتى لو كانت بريئة من تلك العواقب براءة الذئب من ابن يعقوب ولكن هل التكنولوجيا فعلا عديمة الفائدة على الصعيد الثقافي الفكري؟ هل يجب أن يقتصر استخدامها على المصانع وفي التطبيقات الهندسية والشركات؟ هنا أتناول خمسة فروقات إيجابية تميز الأجيال المعاصرة للتكنولوجيا عن الأجيال التي حرمت منها.

         

منذ فترة ليست بالطويلة قرأت رواية خيالية تدور أحداثها في المستقبل البعيد كان بطلها يعوض نقص عدد ساعات النوم بحبوب معينة تعوضه جسمانيا وعقليا عن الاحتياج لتلك الساعات  وليس فقط حبوب للنوم ولكن أيضا للمعلومات ولبعض الأغذية، تماما كما تعوض الفيتامينات عن تناول بعض أنواع الفاكهة مثلا ولكن التشابه الذي يحدث في يومنا هذا هو توفيرنا لكم مهول من الوقت والجهد بسبب اعتمادنا على مصادر البحث المتنوعة بداية من محرك البحث جوجل ومرورا بموقع اليوتيوب الذي يزخر بما تشتهي السفن من علم و ثقافة وفنون وآداب وانتهاء إلى المواقع المتخصصة في الكورسات المختلفة.

       

حدثني أستاذي عن تعبه في الجامعة وسهره مع زملاؤه لينسخوا يدويا النسخ الوحيدة الموجودة في مكتبة الجامعة من هذا الكتاب أو ذاك، في حين أنه بإمكان الشخص منا الآن أن يحمل مكتبات كاملة تتحدث عن موضوع معين في دقائق معدودة من خلال الإنترنت أو بإمكانه مشاهدة مقاطع مصورة يشرح فيها أساتذة بالجامعات محاضراتهم في الوقت والمكان الذي يريده، بل بإمكانه اختيار أستاذه المفضل أو قناته التعليمية المفضلة!

     

لقد تحققت النظرة المستقبلية للكاتب في الرواية التي قرأتها ولكن ليس بطريقة بيولوجية عن طريق تناول الحبوب ولكن عن طريق الاعتماد على التكنولوجيا ومن ثم توفير الوقت للنوم أو للمزيد من المعرفة أو للاستمتاع بالحياة. مما لا شك فيه أن الله سيحاسبنا إذا لم نحسن استخدام التكنولوجيا في تطوير الحياة البشرية وعمارة الأرض وقصرنا استخدامها على التقاط الصور مع القطط والكلاب بل لقد مللنا من القطط والكلاب الحقيقية فبدأنا بتحويل صورنا الشخصية لكلاب.

     

ظهر الفيسبوك واستمر بالنمو ليتخطى أعضاؤه المليار وسبعمائة مليون عضو يتداولون المعلومات فيما بينهم، وظهر دور الفيسبوك والتكنولوجيا وأثرها على الحياة السياسية أيضا

رويترز
     

يتحدث الدكتور أحمد عكاشة في كتابه "الطريق إلى السعادة" عن فكرة العولمة ومدى تأثيرها على الأفراد والمجتمعات، ينتقد احتكار بعض المجتمعات المال والتقدم الحضاري مع غرق البقية في التخلف ويلخص هذه الفكرة في مقولة أن "العولمة قد تقصر المسافات ولكنها لا تلغي الجغرافيا". أتفق مع الدكتور أن مصطلح العولمة استفزازي والعولمة الحديثة فشلت من الناحية الاقتصادية والسياسية ولكن اختلف معه في تأثيرها الثقافي ولفكري على الأفراد.

    

إن إيجابية العولمة التي نعيش فيها اليوم والتي لا فضل فيها إلا للتكنولوجيا تتجلى في أنه برغم استمرارية وجود الحدود السياسية بين الدول واستمرارية الاختلاف في العادات والتقاليد في المناطق الجغرافية المختلفة في العالم وبرغم اختلاف مستوى المعيشة والتحضر في الدول المتفرقة إلا أن الإنترنت يعطيك القدرة على الاتصال بآية شخص في آية منطقة بالعالم والتعرف عليه ومحادثته بالصوت والصورة ومعرفة أدق التفاصيل عن ثقافته وحياته، مما أدى لنمو جيل كامل يدرك أن الكون لا يتمركز حول عاداته وتقاليده وأفكاره ولكن هناك المليارات من الناس التي تعيش حوله وتختلف عنه في كل شيء وهذا بالطبع يعطي الشخص قدرة على تقبل الآخرين ويوسع من معلوماته عن العالم كما يساعده عن المقارنة بين ما يحدث بوطنه غيرها من الأوطان وهذا ينقلنا على النقطة الثالثة!

 
الإعلام من أقوى الأدوات التي تستخدمها الأنظمة للسيطرة على الشعوب وفي عصور ما قبل الراديو كان الإعلام يقتصر على الجرائد القومية التي تسيطر عليها الدولة سيطرة كاملة ومن ثم تسيطر على المصدر الوحيد للمعلومات لدى شعبها، ليس فقط المعلومات عن الأوضاع الداخلية ولكن أيضا عما يحدث في دول العالم المختلفة ولهذا السبب لم يكن أحد يدري شيئا عما يحدث بالخارج إلا الأقلية القليلة التي كانت تمتلك رفاهية السفر ثم ظهر الراديو وإن كان لم يحدث طفرة في الشفافية الإعلامية لأن قنوات الراديو كانت أيضا مملوكة للدولة ثم ظهر التلفاز بقنواته القومية وحدثت الطفرة مع ظهور القنوات الفضائية وبدأ الناس لأول مرة يدركون مدى التخلف الذي يعيشون فيه تماما كما أدرك المصريون تخلفهم مع الحملة الفرنسية على مصر التي كنا نحمل فيها العصى والسيوف في مواجهة مدافع الفرنسيون.

 

هل تجنب استخدام التكنولوجيا هو الحل لتلافي الأضرار أم أننا نستطيع بطريقة ما أن نستفيد بالمميزات بدون التعرض للآثار الجانبية؟

أن سبلاش
 

ثم ظهر الإنترنت لتنفتح أبواب الجحيم في وجه الأنظمة المستبدة وخاصة أنظمة دول العالم الثالث، أصبح الناس يتداولون المعلومات فيما بينهم، يمكنك اليوم أن تؤسس قناة إخبارية كاملة فقط بكاميرا محمولك وبوصلة إنترنت لتنقل الحقيقة مباشرة إلى العالم كله، أصبح دور التليفزيون ودور الجرائد هشا للغاية، بل أصبح هناك بديلا مباشرا للجرائد وهو مجموعة كبيرة من المدونات والمواقع الإخبارية التي تتيح لسائر الكتاب الفرصة للتعبير الحر عن آراؤهم وظهر الفيسبوك واستمر بالنمو ليتخطى أعضاؤه المليار وسبعمائة مليون عضو يتداولون المعلومات فيما بينهم وظهر دور الفيسبوك والتكنولوجيا وأثرها على الحياة السياسية في فترة ثورات الربيع العربي.

        

راقبت أولاد إخوتي الذين تتراوح أعمارهم بين العامين والخمسة أعوام فلاحظت أثرا واضحا لكثرة استخدامهم لأجهزة المحمول والأجهزة اللوحية المزودة بالكاميرات، عندما تسأل أحدهم عن حدث قد مر به منذ فترة قد تصل إلى العام تجده متذكرا لكافة تفاصيل الحدث ويرجع هذا إلى أنهم يلتقطون الصور يوميا وبشكل مستمر و يشاهدون الصور التي التقطوها بين الحين والآخر ولذلك فليس من السهل أبدا أن تمحى ذكريات الطفولة لديهم، بعكس جيلنا الذي كان يلتقط الصور في المناسبات فقط وبعكس الأجيال الأكبر عمرا التي كانت تلتقطها بشكل سنوي أو أقل من ذلك.
 
قديما كنت تستشير أصدقائك حول شراء كتاب، سيارة، ساعة يد، الإقامة بأحد الفنادق أو حتى حول جودة الطعام بمطعم معين، أما اليوم فمع وجود المواقع المتخصصة في التقييم يمكنك قراءة مئات بل آلاف التقييمات حول المنتجات المختلفة. لا يقتصر الموضوع على الأرقام التقييمية فقط ولكنك تستطيع أيضا أن تستفيد بتجارب مكتوبة بتفاصيلها للآخرين سواء كانت تجارب مع منتجات أو أماكن أو حتى تجارب مع أمراض أو مشاكل، تستطيع أن تحصل على النصح والإرشاد في آية مشكلة تواجهك عن طريق الاستعانة بالصفحات التي تعرض مشاكل الناس والإجابات عليها ومن الخصائص الجميلة في الحصول على النص أنه تستطيع المحافظة على سرية هويتك. تستطيع أيضا الحصول على آية فتاوي دينية من شيوخ متخصصين في فروع الدين المختلفة أو حتى تحصل على استشارات ونصائح نفسية من متخصصين في الطب النفسي.

 
لو بدأنا بعد فوائد التكنولوجيا سنموت قطعا قبل الوصول لنهايتها ولكن ما هي الأضرار البارزة للتكنولوجيا؟ هل تجنب استخدام التكنولوجيا هو الحل لتلافي الأضرار أم أننا نستطيع بطريقة ما أن نستفيد بالمميزات بدون التعرض للآثار الجانبية؟ هذا ما سأجاوب عليه في الجزء الثاني من هذا المقال الأسبوع المقبل إن شاء الله.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة