مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
764

أهو ذكاء الحكام أم غباء الشعوب؟!

28/11/2017

ربما تستغرب أن نكتة سمجة يلقيها ممثل على خشبة مسرح كفيلة بجعل الجمهور وجعلك أنت أيضاً تضحك حتى تنقلب على قفاك، ذات النكتة ربما لن تُعيرها حتى ابتسامة مجاملة باردة إذا قيلت لك وحدك! أو لعلك كثيراً ما وقفت مشدوها حائراً أمام قدرة الحكام ورجال الدين والسياسة على تجيِّيش الناس تحت أفكار في قمة الضلال أخلاقياً وفكرياً! فهل هم عباقرة إلى هذا الحد؟! أم أننا -نحن الشعوب- أغبياء إلى هذه الدرجة؟!
   

لكن الأمر في حقيقته ليس متعلقاً بذكاء الحكام ولا بغباء الشعوب وإنما بالشعوب من حيث هي شعوب، فثمة نقطة مفصلية هنا غيًرت نظرتي للأمر برمته وهي أن هناك فرق شاسع بين الإنسان كفرد مستقل وبين الإنسان كجزء من المجموع، فبمجرد أن ينضم الإنسان إلى جمهور فإنه يفقد تقريباً كل خصائصه الفردية من تفكير واعي ومستقل، ويصبح كقطرة ماء -لا تملك من أمرها شيئاً- في سيل جارف تحركه العواطف الجياشة وليس الأفكار! يعرف الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون الذي أبدع كثيراً في توصيف الجماهير وفهم طبيعتها في كتابه "سيكولوجية الجماهير" يعرف الجمهور بأنه :"انصهار الأفراد في روح واحدة وعاطفة مشتركة تذوب التمايزات الشخصية وتخفض من مستوى الملكات العقلية".

 

لذا فإن الجماهير في النهاية ليست عاقلة كما ينبغي، تغضب بسرعة تفرح بسرعة، وليست على استعداد لتقبل أي خطاب منطقي وموضوعي، لذا يرى غوستاف أن اكبر خطأ يمكن أن يقع فيه السياسي هو أن يحاول إقناع الجماهير مستخدما الأفكار المنطقية .فهو حتما سيفشل لأن الجماهير لا تعرف إلا لغة العواطف والشعارات الرنانة.

 

أدركت النخب السياسية أن الجماهير عاطفية لحد كبير، لذلك استغلت هذه الحقيقة أبشع استغلال لتوجيه وأحيانا تجييش الناس تحت أي راية

مواقع التواصل

 

النخب السياسية على مر التاريخ أدركت هذا الأمر واستغلته أبشع استغلال، فمن السهل جدا تجييش الناس تحت أي راية أو أي فكرة -لا يهم مدى "عبثيتها أو ضلالها"- فالأمر لا يتعلق بالفكرة من الأساس وإنما بطبيعة الخطاب الذي يستهدف النقطة الأضعف في الشعوب.. العواطف! وهذا ما تحاول أن تفعله وسائل الإعلام اليوم، فترمب -مثلا- ذلك الرجل الذي لا يصلح لأن يكون رئيساً للجنة شعبية في حي سكني، ناهيك أن يصير رئيساً لأقوى دولة في العالم! تمكن ترمب من ذلك مستخدماً أذرعه الإعلامية التي نجحت في دغدغة عواطف شعب يفترض فيه الوعي والثقافة. لكن لا يبدو أن ثمة وجود لهكذا شعب، إذ أن كل شعوب العالم تتشابه في هذه السذاجة، بغض النظر عن ثقافة ووعي أفرادها المكوًنين لها!

 
ولم نذهب بعيدا وعندنا في منطقتنا ما يكفي من الأمثلة. هل تذّكرون مثلا تلك الأيام التي مارس فيها إعلام "الردح" المصري التحريض ضد السودانيين وضد شعوب مسكينة أخرى حالها كحالنا ليس لها من يدافع عنها. فعل ذلك مخاطبا عواطف العامة حتى يصل لمبتغاه، ووصل فعلاً لما يريد وشهدنا جميعاً حالات الاعتداء الجسدي واللفظي بحق السودانيين.

 

كما لا يخفى على أحد الدور البارز الذي لعبته ذات الوسائل في إفشال ثورات ما يسمى الربيع العربي مستخدمةً خطاباً إعلامياً في غاية السخف والضعف فكرياً وموضوعياً، ولكنه ثري جداً عاطفياً، وبرغم ذلك نجحت إلى حد كبير .في السابق لم يكن وعي الأفراد المُكوّنة للجمهور يُشكل فارقا كبيراً لأن كل ذلك ينتفي بمجرد أن تحصل حالة التجمهر هذه، فعندما يتعلق الأمر بالجماهير فإن الكل أقل من مجموع مكوناته فكرياً على الأقل.

 
لابد من الإشارة هنا إلى أن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أربك المشهد كثيراً، وجعل من الصعب على الحكام -وغيرهم ممن يعتاشون على عواطف الناس- الحصول على جمهور بتلك المواصفات أعلاه، فهي على علّاتها الكثيرة -أعني مواقع التواصل- إلا أنها تعطي نوعا من الاستقلالية الفكرية تجعل من الصعوبة على الأنظمة والحكام توجيهها أو استخدامها للتأثير على الشعوب كما تفعل بالوسائط التقليدية المرئية، لذا اتجهت هذه الأنظمة إلى محاربتها وليس إلى استغلالها، إدراكاً منهم بعدم جدوى ذلك، لأنها لا تحوي جماهير كتلك التي في السابق يسهل التلاعب بها، وإنما أفراداً محتفظون بكامل الوعي والإدراك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة