خليل الناجي
خليل الناجي
614

فوكو وفكرة الإكراه بين الجنسانية والعقاب

30/11/2017
الرقابة والعقاب

إذا كان الفلاسفة قد توجهوا إلى التنظير لأسس التسامح الديني سواء مع لوك أو فولتير أو سبينوزا أو غيرهم، نجد في المقابل أقرانهم من رجال القانون يأسسون لمبادئ العقاب كوسيلة للمساوات بين الجريمة وجزائها مما يؤدي لبناء حضارة قائمة على القانون وليس شيء آخر. فكيف تمت ممارسة الرقابة والعقاب في تاريخ الحضارة الغربية؟

 

لقد كان فوكو ينشد في بحثه في تاريخ العقاب إزالة الصمت الذي لطالما أحاط بهذا الموضوع، وأيضا لوضع القوانين في موقع التساؤل حولها من طرف الفلسفة، أي هل يمكن فقط لرجل القانون أن يقوم بالتشريع؟ وقد اتجه فوكو في بحثه انطلاقا من اليونان وصولا إلى العصر الحديث ليرصد تطور الخطة التأديبية وأشكالها خصوصا مع العقاب المرئي أو الخفي. لقد ركز فوكو على مسألة السجن لكونها تقوم بفرض نوع من الإكراه على النزلاء سواء من طرف المؤسسة القانونية أو المجتمع الذي يجعل المعتقل منبوذا بعد مغادرته للسجن. واتجه فوكو إلى ضرورة مراعات جميع الظروف المحيطة بمرتكب الجريمة سواء اقتصادياً أو نفسياً، وقام بطرح السؤال الفلسفي الأشهر حول غاية العقاب هل هي الرغبة في الإصلاح أو مجرد التنفيذ الأعمى للعقوبة؟

 
من بين أشكال العقاب التي تطرق إليها فوكو في بحثه كانت عقوبة الإعدام جذبا بالأحصنة، وذكر حالة داميان الذي أُعدم أمام باب الكنيسة في باريس عن طريق وخزه في كل أعضاء جسمه، وقد كان حاملا معه وقتها خنجرا دليلا على جريمته وهي قتل الأقارب. ونلاحظ هنا فكرة إشراك الحيوان في عملية التعذيب بالإضافة إلى الطابع العمومي لتطبيق العقاب والتي لم تكن حصرا على هذه العملية بالذات بل طبعت الخطة التأديبية في العصر الكلاسيكي بأكمله. لا يكون العقاب هنا موجها للمذنب بصفة خاصة لكونه سيفارق الحياة بعد مدة وجيزة، بل بالأحرى موجه إلى المشاهدين كنوع من الترهيب والتحذير من اقتراف ما أقدم على فعله المذنب.

  

ينتقل فوكو بعد ذلك للنظر إلى النفي والإبعاد باعتباره نوعا آخر من أنواع العقاب، وقد قرنه باليونان لأنهم كانوا يستخدمون هذا النوع من العقاب ضد المجرم المذنب سواء كان متعمدا لاقتراف ما صنعت يداه أو سقط في الجريمة عن طريق الخطأ. وقد استخدم هذا العقاب ضد الأشخاص الذين كانوا يشكلون خطرا خصوصا من الجانب السياسي. وقد استمر الحال كذلك حتى العصور الحديثة حيث تم نفي مارتن لوثر بعد أن علق تسعين أطروحة على باب الكنيسة داعيا فيها لمناقشة صكوك الغفران.

 

الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926-1984م) (مواقع التواصل)

 

وقد تحدث فوكو أيضا عن التعويض باعتباره إجراء عقابيا، ويتمثل في فرض مبلغ مالي أو ما يعادله على الجاني ليؤديه في مقابل الأضرار التي الحقها بالضحية، وهي عقوبة ذات بعد اقتصادي صرف. واخيرا تناول فوكو القصاص كعقوبة غرضها مكافئة الجريمة التي ارتكبها المذنب، وهي تعد معاملة بالمثل، ورسالة هذه العقوبة هي كالتالي: إذا ارتكبت جريمة فإنك تحدد سلفا طريقة عقابك بنفسك.

 
نستنتج فيما مضى أن الخطة التأديبية في الحضارة الغربية كانت صارمة وجاعلة من الجسد محورا أساسيا لها، ومستعملة التعذيب وسيلة أساسية في نظامها. ومع ذلك فهي تقدم نفسها باعتبارها وسيلة موضوعية وعادلة وأنه لا يجب أن تعطى أهمية للمشاعر حتى لا تفقد مصداقيتها وبذلك تزعزع أركان العدالة. ولنا هنا أن نقوم بمقارنة بين ما اعتُبر تاريخا ماضيا لدى فوكو مع ما نلاحظه ونعانيه اليوم داخل العالم. سواء مع الممارسات العقابية التعذيبية التنكيلية الداعشية، أو ما يفعل بالطائفة المسلمة الروهينغية!

 

تاريخ الجنسانية

تاريخياً عكس الجنس وسيلة لبقاء النوع البشري، إضافة إلى كونه أداة عملية من أجل الوصول إلى متعة ولذة راجعة إلى حاجة إنسانية طبيعية. لكن ذلك لم يكن يتم وفق طريقة عشوائية غير منظمة بل عن طريق ضوابط مجتمعية وقانونية صارمة، سواء أتعلق الأمر بطريقة ممارسة ذلك الفعل أو تقنينه باتباع أنظمة غذائية لضمان حفظ النسل الجيد. لكن رغم كل هذا فقد ظهرت أشكال لممارسات غير طبيعية وُصفت بكونها عبارة عن "تجاوزات أخلاقية" أو "إخلالا بالحياء" لكونها خارجة عن القانون أو كانت توصف باعتبارها حالة مرضية، فكيف عالج فوكو التوترات التي حفت الجنس وتصريفاته بين التقيد والتحرر عبر تاريخه في الثقافة الغربية؟

 
لقد حاول فوكو سبر أغوار تاريخ الجنسانية من أجل تمثل تلك السلطة التي تضع بصمتها دون توضيح غايتها في ذلك، جاعلة من مجال الجنس حيزاً محاطاً بكل أنواع الإكراهات، نافية بذلك أنه مجال خاص. من بين الوسائل التي استعملتها السلطة لكشف كل ما هو جنسي لدى الإنسان نجد المجال الديني والطبي، لقد كان وجه تدخل الدين هو الاعترافات داخل الكنائس سواء عن طريق عملية تلقائية أو إجبارية. أما الطب فكان تدخله لطيفاً عبر تقديمه نصائح وحميات صحية. وقد تطفل رجال الدين على الحياة الجنسية للمواطنين بكل ما تحمل من رغبات ومشاعر وكان ذلك تحت ذريعة تقديم التوبة والخلاص. وقد أدى ذلك إلى اقتناع المواطنين أن العملية جزء من الدين وبالتالي ترسخت داخل الهوية الدينية لديهم. لكن ذلك لم يكن سوى طريقة غير مباشرة لزيادة ترسيخ فكرة كون لا شيء يخفى على السلطة، وأنها تتدخل حتى في أمورك الشخصية الأكثر حميمية. لكن في حالة رفض الاعتراف طوعاً كان الأمر يتحول إلى عملية انتزاع مرفقة بالتعذيب. مما يؤدي بالإنسان إلى إيجاد نفسه أمام خياران: التوبة أو العذاب. الشيء الذي يكرهه على الاعتراف دون إمكانية منه للرفض. حتى لو كان يحس بأن من حقه عدم الاعتراف.

  

الإكراه 

قول فوكو إن عملية الاعتراف في الفترة المعاصرة التي أصبحت مبنية على فكرة الحرية والمسؤولية شكلت مكونا أساسيا لتكنولوجيا متطورة للتحكم في حياة الأفراد وتأديب الأجساد أيضا

مواقع التواصل
 

رغم كل ما قلناه إلا أنه كان للسلطة طريقة لتمرير هذه الرسالة بطريقة أقل عنفاً مما تبدو عليه، وقد قدمت الفكرة هكذا: إنكم أحرار فصرحوا بما تفعلون. رغم أنه بنظرة تحليلية نجد أن ذلك يدعو إلى الاستعباد أكثر منه إلى الحرية، وذلك الاستعباد كما ذكرنا يتجلى في تلك الرقابة المفروضة من طرف الديني على كل ما هو جنسي.

   

وأشكال الرقابة لا تتوقف عند عملية الاعتراف فقط، بل تتعداها لما يمكن تسميته بالتقنين العيادي بالكلام والاستنطاق. وذلك عن طريق إدماج الاعتراف في الأمور الطبية كالفحص الطبي والتحليل النفسي وغيره من طرق العلاج.

 

بعد ذلك ينتقل فوكو إلى الزيادة في توسيع قطر دائرة الاعتراف هذه عن طريق ذكره لقصة شاب مختل ذهنيا كان يشتغل بأحد الحقول وتبث أن تورط جنسيا مع فتاة فاشتكاه أباها إلى الشرطة فتم اعتقاله وتقديمه للقاضي قصد التحقيق معه. وجه ذكر هذه القصة أن الاعتراف لم يعد متوقف حصرا على العقلاء بل حتى على من هم مصابون بخلل ذهني. وعملية سلب الاعتراف لم تعد من شأن رجال الدين والأطباء فحسب، بل توسعت لتشمل القاضي ثم العائلة. لكن هذا السطو على المجال الحميم للشخص بدأ يتلاشى مع البروتستانتية. مما أدى إلى بداية الانسلاخ من السلطة الدينية ومحاولة التوقف عن البحث عن وساطة بين الإنسان والإله الذي تتمثل في رجل الدين ذلك. أي تراجع قداسة الكنيسة وتعويضها بالمدرسة والأسرة جنبا إلى جنب مع المحاكم والسجون أو غيرها من المؤسسات التي أصبحت تقوم أيضا بسلب الاعتراف طواعية أو كرها. ويقول فوكو إن عملية الاعتراف في الفترة المعاصرة التي أصبحت مبنية على فكرة الحرية والمسؤولية شكلت مكونا أساسيا لتكنولوجيا متطورة للتحكم في حياة الأفراد وتأديب الأجساد أيضا.

 
ولنا الحرية دائما أن نقوم بعملية مقارنة بين ما مارسته السلطة الدينية تاريخيا على مجال الجنس، وبين ما يمارس اليوم لدى المجتمعات العربية. ربما أن الفكرة ما زالت حاضرة، وقد تم إعطاؤها بصبغة دينية لخدمة أغراض سياسية محضة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة