مريم الدجاني
مريم الدجاني
3.1 k

الكيميائي الذي انتزع وعد بلفور!

5/11/2017

تباكت الآلاف المؤلفة في الأيام القليلة الماضية على منح بلفور ما لا يملك لمن لا يستحق، ذلك الوعد الذي نعلق عليه مأساة ضياع فلسطين، لتتخبط أفكارنا كمواقفنا بين من يعتبره كرما غير مبرر من بلفور تعاطفا مع اليهود، ومن يعتبره مؤامرة ضد المسلمين، ليغيب عن أذهاننا أولى بدهيات وقواعد عالم السياسة وهي أن لا قلب لها ولا ضمير: هي لعبة المصالح ليس إلا. فعلينا أن نسأل ماذا كانت مصلحة بريطانيا في إعطاء اليهود وعد بلفور، بعد أن كان اليهود مضطهدين ومكروهين في أوروبا وأمريكا لدرجة أن كان يكتب على أبواب الحانات والمطاعم (ممنوع دخول الكلاب واليهود)؟


تدقيق بسيط في التاريخ يفضي لأن نعرف أن وعد بلفور، أحد أعظم إنجازات الحركة الصهيونية، تحقق بفضل الاكتشاف العلمي الهام لعالم كيميائي واحد، الذي أصبح أول رئيس لإسرائيل. هي فكرة إبداعية علمية تجارية خارج الصندوق، أدت إلى تغيير مسار الحرب العالمية الأولى، وضمنت تحقيق الحلم الذي بدا مستحيلا حتى في عيون الصهاينة أنفسهم.

كان حاييم ويزمان الذي ولد عام 1874 في روسيا، مهتما بالكيمياء والعلوم منذ صغره حتى حصل على الدكتوراه في الكيمياء من ألمانيا لأبحاثه في مجال تصنيع الطلاء. لينتقل بعدها إلى التدريس في جامعة مانشستر في بريطانيا قبل أن يحصل على الجنسية البريطانية.

مع تدهور الإمبراطورية العثمانية، أصبح مصير أرض فلسطين بعد الحرب موضوعا ساخنا. وبات الأثر الهائل الذي حققه وايزمان بالحرب مفيدا جدا بالتأثير على كبار المسؤولين الإداريين بلندن

مواقع التواصل
 

وقد برع وايزمان في تتبع أسواق الطلب العالمية للمواد والصناعات، ليتدخل بتصنيع ما سيكون له سوق كبير ونجاح باهر، فعمل على تطوير أساليب الإنتاج التجاري للطلاء، كما سجل العديد من براءات الاختراع فيها. وفي وقت لاحق طور طريقة لإنتاج زيت الكافور، وهو منتج عالي الطلب في ذلك الوقت، وباع اكتشافه إلى شركات مستحضرات التجميل الكبيرة في سويسرا.

ثم لاحظ تزايدا في الطلب على المطاط في العالم بسبب التطور السريع لهذه الصناعة. ومع نقص المطاط الطبيعي، أدرك العديد من العلماء أن تطوير المطاط الصناعي سيكون منجم الذهب الاقتصادي. فقام وايزمان بإنتاج مادة أساسية لتصنيع المطاط. وقد احتاج لإنتاجها أن يطور نوعا جديدا من البكتيريا المعزولة من الذرة تنتج كميات كبيرة جدا من البيوتانول (اللازم لإنتاج المطاط) والأسيتون. ثم بعد انخفاض أسعار المطاط الطبيعي وتطوير المطاط الصناعي لم تعد الفكرة كلها مجدية اقتصاديا، حتى وضعها وايزمان جانبا. لكن لم يذهب جهده سدى.

لا عجب من أن ارتباط المصالح العليا للدول في حروبها هو الأساس في علاقاتها مع الدول الأخرى ومن بينهم إسرائيل

فقد جاءت نقطة التحول الكبرى في عام 1914، في الحرب العالمية الأولى، لتتوج جهود وايزمان العلمية، فقد ظهرت الحاجة إلى تطوير التكنولوجيا اللازمة لإنتاج أسلحة هجومية جديدة منها الغازات السامة وتطوير تقنيات الذخيرة للتغلب على صعوبات حرب الخنادق.

وبدأ تزايد الطلب على الأسيتون (ذات المادة التي استطاع وايزمان إنتاجها بكميات كبيرة سابقا) في المملكة المتحدة وبلدان أخرى، لاستخدامه لصنع cordite، وهو خليط البارود الذي حل محل أنواع أخرى من الذخيرة، لأنه عمل على تقليل الحرارة الناتجة عن إطلاق البنادق، وبالتالي سمح لزيادة كثافة إطلاق النار، وفائدته الأخرى الأهم أن احتراقه لا يؤدي إلى إنتاج الدخان، وبالتالي لم يكشف عن موقع البنادق والجنود. وكان الأسيتون أساسيا لإنتاج cordite، وقد كان يتم إنتاجه من تكرير المعادن التي كان يتم إحضارها من ألمانيا وأوروبا الوسطى. فلمّا أصبحت ألمانيا دولة معادية، كان على بريطانيا أن تجد مصدرا آخر لكميات كبيرة من الأسيتون، وبسرعة.


وهنا لمع نجم وايزمان والبكتيريا التي جهزها سابقا. فاستجاب لدعوة مكتب الحرب البريطاني وقدم البكتيريا وعملية إنتاج الأسيتون. كما أعطى الحكومة الحق في تطويرها. وبعد وقت قصير من تعيين وايزمان مديرا لمختبرات البحرية الملكية، غزا إنتاج الأسيتون الصناعي، وتم إنقاذ أزمة القذائف البريطانية في الحرب المبكرة، فكان إسهاما كبيرا في انتصار الحلفاء. وقد تم تسمية البكتيريا المسؤولة عن إنتاج الأسيتون ب "وايزمان".

لتكن ذكرى وعد بلفور فرصة لنتعلم أن فلسطين لم تضع منا بسبب حب بريطانيا لإسرائيل، بل بسبب البحث العلمي الذي غذى المصالح السياسية

رويترز
 

ولقد تعدت إضافة وايزمان الحرب العالمية الأولى وخدمة بريطانيا إلى الحرب العالمية الثانية وخدمة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تم استخدام cordite في نظام تفجير القنبلة الذرية التي سقطت على هيروشيما في أغسطس 1945. فلا عجب من أن ارتباط المصالح العليا للدول في حروبها هو الأساس في علاقاتها مع الدول الأخرى ومن بينهم إسرائيل.


وحين كان حاييم وايزمان يخلق أطنانا من الأسيتون لقذائف بريطانيا، ومع تدهور الإمبراطورية العثمانية، أصبح مصير أرض فلسطين بعد الحرب موضوعا ساخنا. وقد بات الأثر الهائل الذي حققه وايزمان في الحرب مفيدا جدا في التأثير على كبار المسؤولين الإداريين في لندن. وبفضل منصبه في الصناعة العسكرية، وقربه من ونستون تشرشل وديفيد لويد جورج، الذي كان وزيرا للذخائر ثم رئيسا للوزراء، تكللت جهود وايزمان بالنجاح بإطلاق وعد بلفور في ٢ نوفمبر 1917، ليشكل حجر الأساس في تاريخ الصهيونية ودولة إسرائيل.


ذلك الانتصار التاريخي الذي زرع بذرته وقطف ثماره عالم كيميائي صهيوني، بدءا من محاولاته الفاشلة لإنتاج المطاط، مرورا باكتشافه للبكتيريا بدون فائدة، وانتهاء برضوخ بريطانيا لمطلبه بأرض فلسطين مقابل اكتشافه العلمي الفذ.

فلتكن ذكرى وعد بلفور فرصة لنتعلم أن فلسطين لم تضع منا بسبب حب بريطانيا لإسرائيل، بل بسبب البحث العلمي الذي غذى المصالح السياسية، ولن تعود إلينا إلا إذا عرفنا قواعد اللعبة، لأن لغة العلم تصنع المصالح، والمصالح هي التي تتحكم في السياسة ولديها القدرة المطلقة على توجيهها!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة