أحمد مختار
أحمد مختار
5.5 k

محمد صلاح.. عقدة نقص الجماهير المصرية

14/12/2017

"الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل!"، مقولة استعان بها صلاح للرد على منتقديه منذ سنوات، حينما انقلبت الأمور ضده لفترة، وجلس كثيرا على دكة البدلاء، قبل هروبه من جحيم مورينيو، وانتقاله إلى إيطاليا مع فيورنتينا ثم روما، ليبدأ مرحلة ناجحة من مسيرته الكروية، حتى وصوله إلى قمة مستواه مؤخرا رفقة ليفربول، تحت قيادة المدرب الألماني يورغن كلوب.

 

أعترف بأنني لم أتوقع أبدا أن يصل صلاح إلى هذا التألق، كذلك اعتقدت بأن كلماته السابقة ما هي إلا محاولة للهروب من الواقع الصعب، لكن في النهاية سارت الأمور فوق مستوى تطلعات الجميع، لقد وصل مو "لقبه عند الجمهور الإنجليزي" إلى مصاف الكبار سريعا، وأصبح هداف البريمرليغ حتى الآن، وأميز نجوم ليفربول، وحائز على جائزة أفضل لاعب في أفريقيا لعام 2017، بالإضافة لحصوله على جائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي مؤخرا.

 

(1)

هناك ظاهرة سخيفة انتشرت منذ فترة طويلة، عبر وسائل التواصل الإجتماعي وصفحات الأندية الأوروبية، بطلها شريحة غير قليلة من الجماهير المصرية الأشبه بالجراد، في هجومها السريع وتعليقاتها الأقرب إلى السماجة والسخافة، بالتقليل من الفرق التي تواجه صلاح، والسخرية من الجماهير الأجنبية لفريقه، ومحاولة التحرش بالغير بأي شكل من الأشكال، مع التفاخر بهذا القرف في سبيل زيادة الـ "شير" على فايسبوك وتويتر.

 

صلاح لم يلعب مع الأهلي ولا الزمالك، بل قرر المغامرة سريعا والسير عكس التيار، بالانتقال إلى أوروبا مرة واحدة، وتجربة حظه مع بازل السويسري

رويترز
 

صدرت هذه الظاهرة السلبية صورة سيئة للجمهور المصري، وصار كل من يمدح صلاح مشجعا متعصبا، يوصف بالتطبيل والنفخ على طول الخط، لكن الشيء الإيجابي، أن هذا الحال بدأ بالتواري والاختفاء بعض الشيء، خصوصا بعد قيام الفرق الأجنبية بعمل صفحات عربية موجهة للجمهور في الشرق الأوسط، بالإضافة للتألق اللافت لمحمد صلاح، الذي وضعه باستحقاق في منزلة النجوم الكبار، ليستحق عبارات الثناء والإعجاب، مثله مثل أي نجم آخر في كبرى الدوريات العالمية.

 

ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، نحن جمهور لا يعرف الوسطية أبدا، لذلك هناك من لا يقتنع بتفوق صلاح حتى هذه اللحظة، وغير مصدق لتطور النجم العربي فنيا وتكتيكيا ونفسيا، ليتفنن في التقليل منه وإنكار مقارنته بالغير، من باب الدونية وجلد الذات ومازوخية التقليل من الشخص الناجح في عالمنا، لمجرد أنه ليس أجنبيا أو ولد في أوروبيا، أو عاش هناك طفولته وشبابه كغيره.

 

هنا لا أقصد شريحة قليلة من الجمهور العربي، الغارق في الخلافات والغيرة مع جيرانه، فمحمد صلاح لاعب مصري في النهاية، إذا علينا التقليل منه وجعل ابن بلدنا أفضل وأروع وأكثر مهارة، بالذوق والعافية وقصف الجبهات، لكن من أتحدث عنهم بالتحديد هم شريحة كبيرة من المصريين، الكارهين لتحليق واحد منهم خارج السرب، ولو لمرة، على سبيل التغيير وعدم الرضا بالواقع المرير.

 

(2)

عرف صلاح تاريخيا بأنه جناح سريع على الخط، يحصل على الكرة ويقطع في العمق من أجل التسديد، أو يتمركز خلف المهاجم الصريح لاستغلال المرتدة القاتلة، معتمدا على ركضه المستمر ولياقته القوية

لم نعرف الاحتراف على مر تاريخنا الكروي، اللاعب المصري يسافر للخارج، حتى يجمع "القرشين" ويعود لبلده من جديد، بعد ضمان مستقبله واتفاقه مع أحد أندية القمة. ميدو الوحيد الذي خرج عن المألوف قليلا، بعد هروبه صغيرا إلى بلجيكا وتألقه مع أياكس فيما بعد، ثم طرقه أبواب البريمرليغ، لكنه لم يستمر طويلا بسبب عدم تركيزه وزيادة وزنه، لينحدر مستواه بسرعة الصاروخ، ويتحول إلى مادة للسخرية على صفحات الساركازم الإنجليزية.

 

حتى معظم المحترفين العرب كرياض محرز وغيرهم، ولدوا وعاشوا وترعروا في أوروبا، مع انحدارهم من أصول عربية أفريقية، ليتكيفون سريعا مع الأوضاع المعقدة في فرقهم، لكن الأمر مختلف تماما بالنسبة لصلاح، ابن بسيون وناشيء المقاولون العرب، الذي لم يلعب مع الأهلي ولا الزمالك، بل قرر المغامرة سريعا والسير عكس التيار، بالانتقال إلى أوروبا مرة واحدة، وتجربة حظه مع بازل السويسري.

 

"طالما ألعب جيدا وأحقق أهدافي، ليس هناك نقطة قلق بشأن أي قضايا خارج الميدان. آمل أن أتمكن من لعب دور في تغيير الرأي القائل بأن بعض الناس لديهم مشاكل مع المحترفين المصريين في الخارج"، هكذا قال محمد عام 2013 في مقابلة سابقة مع صحيفة سويسرية.

  

(3)

كل لاعب داخل المستطيل الأخضر يجب أن يفكر في أربع أمور، الكرة، المساحة، الخصم، والزميل. كل جزئية تحدد أين يجب أن يتحرك اللاعب في الحالة الدفاعية، وأين يمرر في الحالة الهجومية. ويبدو أن صلاح يحقق هذه المقولة بنجاح هذا الموسم، فاللاعب عرف تاريخيا بأنه جناح سريع على الخط، يحصل على الكرة ويقطع في العمق من أجل التسديد، أو يتمركز خلف المهاجم الصريح لاستغلال المرتدة القاتلة، معتمدا على ركضه المستمر ولياقته القوية.

سجل صلاح حتى الآن 13 هدف في الدوري وصنع 3، مع 5 أهداف وأسيست في دوري الأبطال، وفي حالة استمراره بهذا المعدل، سيتخطى حاجز الثلاثين هدف في نهاية الموسم.

رويترز


يورغن مدرب استثنائي، يفهم اللاعبين جيدا، وملم بالجوانب الخططية لأقصى درجة، هو مدرب بالمعنى الحرفي للكلمة، يستطيع تطوير لاعبيه، يحول السيء إلى جيد، ويرفع الجيد إلى جيد جدا، ويجعل بعضهم ممتازا إذا سارت الأمور بالشكل المثالي، وهذا ما حدث بالنص مع محمد صلاح، ليتطور على مستوى التمركز من دون الكرة، والوقوف بذكاء في وبين الخطوط، مع قيامه بدور المهاجم والصانع والجناح في آن واحد، لقدرته على شغل أكثر من مركز، وتحسن مردوده في المساحات الضيقة، حتى أصبحت هناك طريقة مميزة في تسجيل الأهداف مسجلة باسمه، كميسي ورونالدو وغيرهم، من خلال حصوله على الكرة تحت ضغط، ومروره من لاعب واثنين، ثم وضعه للكرة في الزاوية المستحيلة حيث يسكن الشيطان.

 

انتشر خبر منذ فترة مفاده بأن ريال مدريد يراقب صلاح، وكالعادة ذهب البعض إلى الاستهزاء والتقليل من المصدر، رغم أن المنطق يقول أن هذا التصرف ممكن وبشدة، فالمصري تخطى حاجز المساهمة في ستين هدفا لفريقه، وهو قاب قوسين من إيصال فريقه إلى نهائي أبطال أوروبا في كييف بعد سنين عجاف مر بها الليفر على الصعيدين المحلي والأوروبي، فالتألق اللافت الذي يقدمه ال "مو"، لا بد وأن يوجه الأنظار إليه من قبل عمالقة الأندية الأوروبية.

 

مقارنة بسيطة مع موسم جاريث بيل الأسطوري في 2012-2013، سجل الويلزي 30 هدف في كل مبارياته مع توتنهام ومنتخب ويلز، ليحصل على جائزة أفضل لاعب بإنجلترا، وينتقل إلى ريال مدريد بمبلغ وصل إلى 100 مليون يورو، وبعد إصاباته الكثيرة مؤخرا، لا مانع على الإطلاق من محاولة بيريز إعادة اللعبة مرة أخرى، بالتعاقد مع كابتن مصر ودفع هذا الرقم وربما أكثر لإدارة ليفربول!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة