حنان اليوسفي
حنان اليوسفي
625

لا أخاف أن أكبر.. بل أن أتزوج!

19/12/2017

على ضفاف نهر عتيق ينبض بالحياة، ممشى رائق غاية في الحلم، يحاصر نظرك فيه كما قلبك شيئان: ماء واتساع وظل معبق بالورود والرياحين، حصار من نوع فريد يلهج إليه القلب حبا وتمسكا، وبين هذا وذاك تتراءى لك من بعيد يدا ممسكة بيد وقلبا رقراق كما الماء يرنو إلى ظله ونصفه الآخر، بلطف يسير العاشقان مخترقين رتابة الحياة، البطء سمة لا تنفك عنهما، والعين المضوية دليل على شديد هيام مكتنز في الأرجاء، في لحظتهما هذا العالم بل الكون على اتساعه ملك لهما، الشعور طاغ بالسعادة والوقت ينقضي سريعا رغم بطئه الحقيقي، التوقعات تتعدى كل الحدود والسبح في نهر الرومانسية يجعلهما في انفصال مريح لا يودان منه خروجا أو استفاقة.

 

غرفة ضيقة منسحبة الجدران، مكان يضيق على من فيه، كمثل من فيه يضيقون ذرعا بأنفسهم، الصمت سيد الموقف إلا من بضع كلمات تدل على أن لا موت هنا، الحياة كمرثية طويلة الأبيات بشجن تسير نحو استدرار الدمعات، لكنها ليست دموع الفراق وإنما هي دموع التلاقي والاستمرار ضمن هذا الملل والتكرار الذي لا ينتهي ولا ينقضي، ها هنا رجل وامرأة رغم ما هم عليه من شعور بالإرهاق والاكتفاء؛ إلا أنهما أبدا لا يستطيعان الاستغناء عن بعضهما، لقد جربا شعور البعد وأيقنا أن مللهما وصمتهما المشترك في مقابلة ما ذاقا من بعد شيء أخف وطأة بكثير.

 

مشهد يلخص حياة كثير من الثنائيات الزوجية، حيث الملل هو السمة الرئيسة التي لا تنتهي، الحب والشغف هما نارا الحب المقدسة، ومتى خفتا فقد خفت معهما كل شيء، القرب والقرب الشديد، ليس مدعاة للتجدد والارتقاء، بل يقضم الشغف رويدا رويدا ويستأصل الفضول ولا يتبقى بعدهما سوى صمت وسكون مريب، وسير بطيء للوقت يود الطرفان لو أنه انتهى.

 

كثيرة هي التفاصيل المربكة بأمر الزواج؛ أقلها شأنا يمكن أن يتبدى في ذلك الخرس الزوجي الذي يعم تقريبا معظم البيوت، صمت بلا سبب وسكوت مستمر يمتد ربما لأسابيع

مواقع التواصل
 

"قد تكون أحد الأسباب المحفزة للاكتئاب في حياة المرأة إذا ما خذلها شريكها، وقد أثبتت الدراسات أن النساء لديهن تصور محدد إزاء الدعم الذي ينتظرنه من أزواجهن، لكن هذا التصور قد يختلف تماماً عما يقدمه الزوج فعلياً على أرض الواقع، ومن ثم تفقد المرأة الدعم الذي تتمناه، ويعد هذا الفقد في حد ذاته أحد محفزات الاكتئاب"

لويس ويلبرت

 

تجارب الآخرين لها تأثير كبير في نفوسنا فهي إما ملهمة لنا محفزة على خوض الطريق، وإما منكثة لنا مؤدية إلى تجنبه، كل هذا بناء على الحصيلة والنتيجة النهائية التي حققها هؤلاء أو استقروا عليها، وبنظرة خاطفة مجملة لما عليه أمر المتزوجين حولنا نرى ما لا يحصى من التفاصيل المربكة التي تحثنا سريعا على الفرار والتريث أمام المضي في مثل هذا طريق.

 

كثيرة هي التفاصيل المربكة في أمر الزواج؛ أقلها شأنا يمكن أن يتبدى في ذلك الخرس الزوجي الذي يعم تقريبا معظم البيوت، صمت بلا سبب وسكوت مستمر يمتد ربما لأسابيع، لا سبيل للكلمات أن تلهج فيه إلا في إطار تسيير الحياة وأمور المعيشة، سوى ذلك صمت مطبق يلفه ملل عميم يمكن أن يصل إلى حدود غير متصورة، تبرز لنا كذلك تفاصيل مربكة أخرى من قبيل النزاعات نعم نزاعات يومية تصادم يومك وتضعك دائما لدى حالة مزاجية سيئة، وأشباه ذلك كثير مما يمكن أن يؤدي إلى حد إعلان الانفصال والطلاق، والذي زادته نسبته في الآونة الأخيرة بشكل يدعو إلى التعجب، حيث أنه لا يمر يوم في المغرب على سبيل المثال دون أن تتم 250 حالة طلاق بعضها لا يستمر ساعات، والبعض الآخر ربما يصل لثلاث سنوات.

 

ربما أعلاه هي الحقائق التي لا يجب أبدا أن نهرب منها؛ بل يجب أن نواجهها بكل حسم من خلال معرفة مسبباتها الرئيسة ومحاولة معالجتها، حتى نضمن على الأقل حياة هادئة أقل صخبًا وبؤسًا مما هي عليه، إن المسبب الرئيس لمعظم ما يعانيه الأزواج والزوجات من مشكلات هو عدم التريث في الاختيار والاستسهال في القبول والرفض دون موازنة عقلية للأمر، بل إن المعظم ينجرف في تيار العاطفة أو في تيار لحاق القطار قبل الفوات دون أن يعي ما يمكن أن يترتب على الأمر من كوارث.

 

 يجب أن نتزوج ونحن على ثقة أننا مع من سنختاره كشريك؛ سنثمر شيئًا جيدًا وحياة هانئة تضيف للمجتمع وتساهم بالوصول للصورة الصحيحة التي يجب للزواج أن يكون عليها

مواقع التواصل
 

قديمًا وفي فترات أخرى غير هذا العصر الذي نحيا فيه، كان الطلاق في العادة يتم لأسباب وجيهة، كالخيانة الزوجية وحالات العنف المفرطة وسوء الأخلاق والسرقة وما إلى ذلك، الآن صار الأمر جنونيًا إلى أبعد حد، حيث أتفه الأسباب كفيل بأن يضرم نيران الانفصال في جسد العلاقة، حتى الفيس بوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي أصبح مؤخرًا سببًا حاضرًا في معظم المناوشات الزوجية التي تؤدي إلى الطلاق.

 

كل هذه الحقائق المريرة تجعل من هو على اطلاع بها ينفر من أمر الزواج ويظل في مساره يقارن بين حالته مفردًا وبين كونه زوجًا لإحداهن أو كونها زوجةً لأحدهم، إن قوة الشخصية وسعة الاطلاع أمر مفيد في تلك الحالة؛ كونه يجنب صاحبه أو صاحبته من الوقوع في شراك زواج خاطف غير مخطط له جيدًا، نعم التلقائية والعفوية شيء جيد لابد أن نتحراه، لكن في الإطار ذاته لابد أن نأخذ بالأسباب ولا نُلقي بأيدينا إلى التهلكة لمجرد أن الجميع يفعل ذلك!

 

إن التريث في أمر الزواج لا يعني أبدًا رفضه أو إنكارًا ما لأهميته، وإنما يعني إدراك عميق لمغزاه وإجلال شديد لرسالته التي تستدعي منا ألا نمر إليه هكذا، وإنما يجب أن نمر إليه ونحن على ثقة أننا مع من سنختاره كشريك؛ سنثمر شيئًا جيدًا وحياة هانئة تضيف إلى المجتمع وتساهم بشكل أو بآخر في الوصول إلى الصورة الصحيحة التي يجب للزواج أن يكون عليها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة