د. محمد إقبال
د. محمد إقبال
691

التسوُّل كوسيلة لتمويل التنمية الاقتصادية

26/12/2017

كنت أشاهد قناة "الجزيرة"، التي كانت تنقل مباشرة الجلسة الافتتاحية لقمة التضامن الإسلامي التي عقدت قبل خمس سنوات في مكة المكرمة في 17 -08 -2012م، وكان ملوك وأمراء ورؤساء الدول يتعاقبون على إلقاء الكلمات التي تعبِّر عن مواقف دولهم من مستجدات الأحداث وإشكالات العلاقات وتطلعات المستقبل.

 

لفت انتباهي خطاب أحد قادة الدول الإفريقية (ماكي سال، رئيس السنغال) وهو يتكلم شاكياً أن صندوق التنمية الذي وعدت به منظمة التعاون الإسلامي، لم يستكمل إلا جزءاً بسيطاً من ودائعه الموعودة؛ وهذا الجزء لا يسمن ولا يغني من جوع. وكان محور اهتمامه في هذا الخطاب على هذا الصندوق الاستثماري التنموي، الذي لو تحقق، كما قال، فإنه سيغير حال الدول الإفريقية عامة والسنغال خاصة، وينقلها من الفقر إلى الغنى ومن التخلف إلى التقدم.

أكمل سال خطابه حاثا الدول الإسلامية الغنية على الإسراع بالوفاء بوعودها من أجل إنقاذ عملية التنمية في بلاده. وقال إن إخوتكم المسلمين في انتظار نقودكم من أجل أن يستثمروا ثروات بلادهم ويحققوا المعجزة الاقتصادية التي هي قاب قوسين أو أدنى من التحقق، ولا ينقصها سوى الأموال السائلة الجاهزة كوقود لعملية التنمية.

 

ورغم أن جميع الدول الإفريقية، بما فيها السنغال، دول غنية بالثروات الباطنية والزراعة والمياه والقوة البشرية العاملة الفتيَّة المتعلمة والعاملة، فإن جميع هذه الدول تقريباً تنتظر المال الجاهز لكي تباشر عملية التنمية الاقتصادية، والتي بدون هذا المال، كما يتوهمون، لا يمكن -عقلاً ومنطقاُ- قيام تنمية ألبتة.

 

من جملة الآليات التي تتبعها الدول ذات منهج أولوية العمل في التنمية آلية السندات المؤجلة أو العقود المضمونة بسلطة الدولة، وكل هذا يعتمد على قوة الدولة وثقة شعبها بها والتفاف المستثمرين والمنظِّمين حولها

إن الدارس للتجارب التنموية في السنوات المائة الأخيرة في دول العالم الثالث يجد منهجين أساسيين لتمويل التنمية، المنهج الأول يعتمد على تمويل التنمية بالعمل، وهو الذي اتبعته الدول التي نجحت في عملية التنمية كليا أو جزئيا. والمنهج الثاني يعتمد على تمويل التنمية بالأموال الجاهزة المقترضة أو المُتَسَوَّلة، وهو المنهج الذي يعد الفخ الحقيقي لاقتصاد كافة الدول التي اتبعته.

 

المنهج الأول: تمويل التنمية بالعمل

نظر رواد هذا المنهج إلى جدلية عقلية اقتصادية أولية تبحث في مصدر المال وقالوا إن المال نتاج العمل وليس العكس. ولأنهم في دول غنية بالعمل (الطاقة البشرية) فقد باشروا باستثمار الممكن المتاح، وخَطَوا خطوات أولية بسيطة (لكنها فعالة وجذرية) في تشغيل كافة اليد العاملة المتاحة عندهم في مشاريع تلبي احتياجاتهم الأساسية من غذاء وصناعة وخدمات، وقاموا بتنظيم المشاريع وتشغيلها اعتمادا على طاقة العمل أساساً لتلبية حاجة الشعب كله وليس فقط اليد العاملة منه.

 

 إن الإنسان، وفق هذا المنهج، يمتلك فماً واحداً ويدين. ولهذا فهو ينتج أضعاف ما يستهلك. فإذا أضفت العقل النشط إلى اليدين كانت الوفرة هي حصيلة هذا المنهج في تنمية الاقتصاد. وهذا ما وقع في تجربة رائدة مثل تجربة الصين إبان حكم الرئيس ماو تسي تونغ، الذي استثمر جهد الفلاحين في شق القنوات المائية ومضاعفة الإنتاج الزراعي. تلك التجربة التي عرقلها جزئيا تصلبه العقلي وإصراره على الثورة الثقافية البائسة، التي تخلَّت عنها القيادة الصينية بمجرد موته، ما سمح لهذه التجربة بأن تستمر في نمو مضطرد لم يتوقف حتى يومنا هذا.

 

والغريب أن من رواد هذا المنهج الزعيم الألماني هتلر، الذي وصل إلى سدة الحكم في انتخابات شعبية وقبل تحدياً متمثلاً ببطالة غالبية القوى العاملة من الشعب الألماني، الذي تجرع هزيمة مرة في الحرب العالمية الأولى أودت بدمار كبير في بلده وفي قاعدته الصناعية والزراعية والخدماتية. 

غير أن المنهج الذي اتبعه هتلر وخبراؤه، اعتمد أساساً على تشغيل كافة القوى القادرة على العمل وإنشاء كافة المشاريع التي يحتاجها البلد دفعة واحدة، دون انتظار توفر الأموال العزيزة في تلك المرحلة. وكان النجاح المذهل حليفه، إذ قضى على البطالة تماما وفي زمن قياسي لم يتجاوز السنة الواحدة. في حين عانت الدول التي خرجت منتصرة في الحرب من اضطراب اقتصادي وبطالة مزمنة لم تخرج منها إلا بنشوب الحرب العالمية الثانية.

 

ولكن كيف يحدث هذا؟ كيف يمكن العمل بدون مال؟ وكيف تنشأ المشاريع المتعددة الأغراض والأهداف بدون سيولة نقدية كافية؟ الجواب يكمن في اكتشاف المغالطة الفادحة في السؤال نفسه. فكل تلك الأسئلة صحية في حالة المستثمر الفرد أو المؤسسة الشخصية، لكنه غير صحيح نهائياً في حالة الدولة التي تستطيع تنظيم كافة الجهود والموارد المتاحة والمتوفرة أساساً (العمل -الثروات المادية المتنوعة -الوقت) وتستطيع تحريك هذه الطاقات ابتداء من قدرتها التنظيمية كدولة وثقة شعبها فيها وفي الآليات التي تسيِّر عملية استثمار الموارد المتاحة كطباعة محدودة مدروسة للنقود مع ضمان ضخ هذه النقود في مشاريع مهمة ذات آثار ارتدادية فعالة في تنشيط باقي مناحي الاقتصاد.

 

الدول المتخلفة لا تعاني من نقص كبير في الموارد المتاحة. بل على العكس، فإن غالبيتها تتمتع بوفرة هائلة في أكثر من مورد، خاصة المورد البشري، العامل الفتيرويترز

 

ولا خوف هنا من حدوث التضخم، إذ أن الكتلة النقدية المطبوعة ستقابلها فورا كتلة سلعية قدمتها المشاريع الإنتاجية التي اختيرت بعناية من قبل عقول صاحبة نظرة إستراتيجية متكاملة ومترابطة سعت بوعي إلى سد الحاجات المحلية الأساسية وإلى استثمار المتوفر من الموارد المتاحة والتي لم يحرم منها أي مجتمع بشري عبر التاريخ.

 

ومن جملة الآليات التي تتبعها الدول ذات منهج أولوية العمل في التنمية، آلية السندات المؤجلة أو العقود المضمونة بسلطة الدولة، وكل هذا يعتمد على قوة الدولة وثقة شعبها فيها والتفاف المستثمرين والمنظِّمين حولها. هذه الآلية وغيرها مكّنت الكثير من الدول من مباشرة العمل والإنتاج وتحقيق الوفرة السلعية والمالية وإنجاز درجات عالية من النمو الاقتصادي غير المسبوق، مع الحفاظ على سيادة واستقلال القرار السياسي والمكانة العالمية المحترمة.

 

والغريب أنّ هذا المنهج لا يدرَّس أبداً في الأكاديميات المختصة وتكاد لا تجده إلا في بعض المؤلفات المغمورة المُعتَّم عليها قصداً أو جهلاً، حتى أصبح إقناع أحد المسؤولين بالقرار الاقتصادي في إحدى الدول المتخلفة ضرباً من الخبال أو الخيال. فهل هذا أمر بريء؟ لنفهم الأمر جيداً علينا أن نطلع على المستفيد الأكبر من اتباع المنهج الثاني في تمويل التنمية.

 

المنهج الثاني: تمويل التنمية بالمال (منهج أولوية المال، الفخ الاقتصادي)

أغرب ما في هذا المنهج أنه يعتمد على المفقود ويهمل الموجود، بل ويحتقر دوره في التنمية، فأصبح بذلك خادما وتابعاً ذليلاً لمن يملك المال ويريد مضاعفته أو بذله كهبات وعطايا، وطبعاً لا شيء بدون مقابل.

 

فالدول المتخلفة لا تعاني من نقص كبير في الموارد المتاحة، بل على العكس، فإن غالبيتها تتمتع بوفرة هائلة في أكثرَ من مورد، خاصة المورد البشري، العامل الفتي. ولكن هذه الدول البائسة مبتلاة بمرض سوء الإدارة المزمن. فالعقلية المتخلفة لأغلب قادتها تتوجه فوراً إلى الأموال الجاهزة الكسولة المملوكة عند الغير كمصدر للطاقة اللازمة لتحريك عجلة التنمية.

 

وقد اتبع هذا المنهج عدة طرق لتمويل تنميته الاقتصادية منها

التمويل بالعجز: ونقصد هنا أن تقوم الدولة بطباعة كمية كبيرة من النقود بدون رصيد مسبق من أجل سداد التزاماتها تجاه مستثمري ومنفذي المشاريع. والمشكلة في هذه الطريقة أن العقلية التي تختار نوعية المشاريع عقلية خاملة وغير تنموية وليست صاحبة رؤية إستراتيجية واسعة وشاملة وترابطية. وبالتالي فإن مآل غالبية هذه المشاريع الفشل، ويتبقى لموازنة الدولة عبء التضخم الناتج عن الخلل بين الكتلة النقدية والكتلة السلعية في السوق.

 

التسوُّل واستجداء الهبات والعطايا من الدول الغنية، وغالباً بشروط خفية غير معلنة وهذه الطريقة المفضلة لدى القادة الاغبياء الذين لا يملكون من مواهب القيادة إلا حب السلطة والزعامة

الاقتراض النقدي المباشر: من الدول أو البنوك الدولية أو صندوق النقد الدولي، ويكون هذا الاقتراض بشروط مجحفة، وغالباً مخلة بالسيادة الوطنية التي يضحَّى بها بحجة تأمين لقمة العيش للشعب العظيم. والأنكى من هذا الاقتراض هو المشاريع التي تهدر فيها هذه القروض، والتي غالباً ما تكون مشاريع "مهرجانية" غايتها الدعاية للنظام الحاكم. فتكون النتيجة تحول هذه المشاريع إلى مصادر صرف لموازنة الدولة عوض أن تكون مصدر رفد وإنعاش لاقتصادها. أما المآل النهائي فهو تحميل الموازنة عبء الدين وخدمة الدين الذي يزداد سنة بعد سنة. 

 

المشاركة مع مؤسسات مالية عملاقة لإنشاء بعض المشاريع الأساسية: لعل هذا من أخف الأساليب المالية ضرراً لتمويل التنمية، وتضطر إليه بعض الدول لتمويل مشاريع عملاقة تعجز عن تنفيذها تقنياً، فتلجأ إلى مؤسسات مالية عالمية مقابل أن تعطيها حصة "دسمة" من إيرادات هذا المشروع ولفترة زمنية طويلة غالباً. ولكن هذه المشاريع تكون مضمونة النجاح ومضمونة تحقيق الإيراد، ولو أن ذلك يرتبط بظروف عدة ليس هناك مجال شرحها هنا.

 

التسوُّل واستجداء الهبات والعطايا من الدول الغنية، وغالباً بشروط خفية غير معلنة: وهذه الطريقة هي المفضلة لدى القادة الأغبياء الذين لا يملكون من مواهب القيادة إلا حب السلطة والزعامة، واللتين من أجلهما يدمرون حاضر ومستقبل شعوبهم وبلدانهم. تراهم يعلنون أنَّ دولة ما أو إحدى المنظمات الدولية قدمت لنا هبة سخية وقروضاً بدون فوائد من أجل التنمية. لكنهم لا يخبرون شعوبهم ما هي شروط هذه "الهِبة" أو ما هي المشاريع التي ستستثمر فيها. وطبعاً، مجالس الشعب في مثل هذه الدول وعند مثل هؤلاء الزعماء آخر من يحق له القول والتقرير.

 

يمكن، بكل، سهولة كشف هؤلاء القادة، فهم يرفعون شعار أولوية الخبز للشعب، ويتَّبعهم الغوغاء الذين يظنون أنّ خبزاً يأتي بغير عمل وأنَّ عملاً يفلح إذا تخليت عن سيادتك الوطنية لصالح رفاهية مؤقتة، وليتها كانت رفاهية.. إن القادة الصادقين الذين يستحقون الاتباع هم الذين يحملون مع شعوبهم المسؤولية كاملة، مسؤولية العمل أولاً، فهو المصدر الحقيقي والوحيد للمال، عدا ذلك هم المتسولون الذين يوردون شعوبهم موارد الهلاك والخراب.

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة