هيا توركو
هيا توركو
810

بلادُ الغربِ أوطاني.. منَ النرويجِ إلى اليونانِ

29/12/2017
أصبت بالهوس العربي، أتقنت العربية ونذرت نفسي لأن أزور البلاد العربية كلها، وبالفعل فقد أشرقت شمس يوم المنى، وها هي الرحلة قد بدأت، حملت أمتعتي ولم أنسَ أن آخذ آلة التصوير لكي التقط ما قرأت عنه في الروايات العربية، وها هي المركبة قد بدأت تكتظ بالمسافرين، الجميع في حماس يكاد يسيطر عليه.
 
اخترت المقعد الخشبي الذي يلاصق النافذة، فمنه سأستطيع أن أراقب كل ما أراه في بلاد الشام الجميلة. كنت متعبة للغاية لأني لم أنم منذ ساعات طوال. أتكأت على زجاج النافذة ريثما ننطلق، فرُحت في سبات عميق. وما هي إلا لحظات قليلة حتى بدأت أراني أبتعد عن مكان الانطلاق والجميع يراقب الطريق بسعادة. مررنا في أزقة الشام كلها، عبوراً بأنهارها، ومن ثم اتجهنا نحو درعا، وسنابل قمح درعا تتراقص في الهواء مع نسمات الشام العليلة. كانت أشعة الشمس الذهبية تخترق جفنَيّ وتصل إلى بؤبؤ عيني بعناء شديد لشدة إغلاقي عينيي بإحكام. حططنا بمحطة القطار الواقعة في أرض عمان. كان القطار مليئاً بالزائرين، فهذا قاصد أرض عمان والآخر متجه إلى فلسطين وذلك قادم من العراق؛ وكلنا في قطار واحد وعلى سكة واحدة، سكة الحجاز..
  
كان القطار يحمل جميع من كان عربي اللسان، قصد البعض أرض عمان فنزلوا في تلك المحطة وصعد غيرهم من أهل عمان الذين يقصدون حيفا ورام الله وغيرهما.. تابع القطار رحلته، وكانت أرض الغور أرضا رائعة تشبه الرمال الذهبية في نعومتها وشدة لمعانها، وما أجمل بحيرة طبريا حينما بدأ يظهر جزء منها نحو نافذتنا! تابع القطار مسيره وبدأت البحيرة تظهر لنا أكثر فأكثر.. بعد فترة وجيزة صاح قائد القطار (الكابتن): "الله أكبر، إنها أرض القدس الطاهرة! أهلا بكم، أهلا بكم". هنا شعرت برجفة لا توصف، فأنا أحمل في طياتي الآن القليل من الحزن والكثير الكثير من الفرح. كانت أرض القدس مريحة إلى حد أنني لم أرغب في أن أتحرك من مكاني، فالنظر من النافذة إلى قبة الصخرة أمر يصيب ابلذهول حقاً!  وقفت وأنا لا أستطيع إدراك ما أرى.
 

الآن أنا لاجئة عربية قدمت من أوروبا وقلبي يفيض حنيناً إلى كل أرض عربية، إلى كل شعب يحدثني بالعربية، كل أولئك وضعوا في طريقي حاجزا خُتم عليه بالخط الأحمر العريض "يحتاج السوري إلى تأشيرة"!

الجزيرة
 
توقّف القطار وبدأ الجميع يهنّئون بعضهم البعض، وعبارات "رافقتكم السلامة" تملأ المكان. جئت لافتح عيني بعد النوم العميق الذي غصت فيه ولكن شخصا ما وقف أمامي وحجب عن جفوني أشعة الشمس تلك. شعرت بأن شيئاً ضخماً يقف أمام عيني. رباه، ربما ينبغي عليي أن أغادر القطار الآن، وربما جاء "الكابتن" ليخبرني بهذا الشيء: "سيدتي.. سيدتي".. هنا فتحت عيني فإذا برجل يرتدي لباس الأمن يقول لي: "عذرا سيدتي، ولكنك لم تحصلي على تأشيرة الدخول إلى هذه البلاد وبالتالي لن تتمكني من الدخول. قلت له: أوَلست عربية؟ أوَليست هذه البلاد أيضاً عربية! قال: "بلى، ولكنها القوانين، يجب أن تنتظري هنا الطائرة العائدة والرحيل فيها، فاعذريني إنني مجبر".
  
اختفى ذلك الشرطي، نظرت إلى جانبي فلم أجد أية نافذة، لم أجد إلا قاعة كبيرة في أحد المطارات العربية وشاشة عرض كبيرة يوجد عليها رقم حركة الطيران ومجموعة شابات أوربيات كنّ على متن طائرتي قدمن من بلاد الغرب ليزرن بلادي العربية دون تأشيرة ولا حتى إشارة! الآن، أنا لاجئة عربية قدمت من أوروبا وقلبي يفيض حنيناً إلى كل أرض عربية، إلأى كل شعب يحدثني بالعربية، سوريا، العراق، فلسطين، لبنان، الأردن، السعودية ومصر واليمن وغيرها الكثير.. كل أولئك وضعوا في طريقي حاجز خُتم عليه بالخط الأحمر العريض: يحتاج السوري إلى تأشيرة! وها أنا أقف هنا محرومة من دخول كل أرض عربية وسأعود من حيث أتيت، وهنّ اللواتي كنّ في رحلتي يا مرحباً بهنّ.
 
هل أدركتم الآن حالي!؟ بلاد الغرب أوطاني.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة