خليل الناجي
خليل الناجي
1.7 k

جون لوك.. فيلسوف التسامح

31/12/2017

يعتبر الفيلسوف المفكر، جون لوك، مُنتميًا للفلسفة السياسية التي تدخل في المرحلة الحديثة، مرحلة جاءت بعد انتهاء الصراع بين سلطة البابا وسلطة الإمبراطور، أي الصراع بين الديني والمدني، لصالح الإمبراطور. وهكذا تدخلت السلطة المدنية لتنَصِّب نفسها باعتبارها صاحبة الكلمة الفصل، وبذلك قامت بتجريد الكنيسة من سلطتها وسيطرتها على الناس، قامت بسلب الهيبة منها وخاصة فيما يتعلق بالأمور الدنيوية، وقد كان من النتائج المباشرة لهذا القضاء على الإقطاعية، وظهور طبقات وسيطة تتألف من تجار وحرفيين وصناع بسطاء، هذا قد أدى إلى ترسيخ شبه مطلق للحكام المدنيين بتأييد من هذه الطبقات الوسيطة بعينها.

لقد طغى على الفترة المسيحية فكرة الحكم الإلهي، أي إن الإله هو من وضع القوانين الطبيعية، والحاكم الذي هو عبارة عن ممثل حصري له (أي للإله)، هو من يتكفل بعملية إنزال تلك القوانين على أرض الواقع. لكن مع جون لوك (وقبله توماس هوبز وآخرون) حاولوا الحفاظ على مسألة القوانين الطبيعية مع التركيز على تجريد الفكرة من صيغتها الدينية، وكانت هذه بدايةً لفكرة العقد الاجتماعي كمحدد لسلطة الدولة في مواجهة مواطنيها.
 

يقول جون لوك بأن الإنسان مُعرضٌ للخطأ، لذلك فليس لأحد أن يقوم بتوجيه أحد في المسألة الدينية، لأن الخطأ هنا قد يُكلف صاحبه الكثير، مع عدم إمكانية التعويض عن ذلك

تبتدئ فكرة جون لوك عن التسامح بمدخل أساسي، هذا المدخل هو ما سيساعدنا لفهم الفكرة وفك شفرتها بسهولة، حيث يقول إن الناس في حالة الفطرة الأولى يتميزون بالمساواة، وتجمع بينهم علاقة طبيعية عفوية، وذلك عكس سابقه توماس هوبز الذي يرى بأن حالةَ الطبيعة حالةُ توحش وفوضى مستمرة. هذه الحالة الطبيعية عبارة عن حقيقة تاريخية، ورغم أنها تتميز بالعفوية إلا أنها لا تتميز بالثبات والاستقرار السياسي الدائم والمطلق، لذلك وجب أن يكون من هو قادر على الاهتمام بهذه المسألة، أي أن يقوم بوضع قوانين كفيلة بردع من سولت له نفسه أن يعتدي على من سواه، وبهذا المنطق يتم التنازلُ من طرفِ المواطنين على قدر من حقوقهم لإقامة سلطة واحدة مشتركة. 
 
هذا كله فيما يخص الجانب السياسي المدني، أما فيما يخص المسألة الدينية فللرجل رأي شهير أعرضه كما يلي:
في بداية الأمر، كتب جون لوك رسالته في التسامح الأولى، وفيها قدم المفهوم على أنه شكل من أشكال العصيان أو الفوضى، وذلك لكون جميع الأفعال والتصرفات هي تحت سلطة الحاكم، وهي سلطة مطْلقة يجب طاعتها بالضرورة حتى لو كانت خاطئة، كما أنه ليس للحاكم أن يبرر ما يفعل، ولا أن يُسأل عن ذلك، بل يكفيه أن يكون راضيًا عما يفعل. لكن هذه النظرة تزعزعت عندما أقام لوك في مدينة "كليفز" ورأى سيادة التسامح، وهنا غيَّر الرجل نظرته للموضوع بصورة جذرية.

وهنا كتب رسالته في التسامح الثانية، وللإشارة، فالرسالة كانت لصديقه فيليب فان لامبورش، وفيها ارتأى على أنه ليس للحاكم أن يتدخل في شؤون الناس الدينية، بل ويجب أن تنحصر صلاحياته في المسائل الدنيوية فحسب، على اعتبار أن مسألة الدين خاصة بالإنسان مع الإله، وليس من حق الحاكم أن يقرر في مصير هذه العلاقة أو في كيفية سيرها. أما بالنسبة للمخالفين في المذاهب فلا جدوى من محاولة إكراههم بالقوة لتغيير آرائهم، لكن يبقى لنا أن نقنعهم بأن يصبحوا "أصدقاء" للدولة.

يقول جون لوك بأن الإنسان مُعرضٌ للخطأ، لذلك فليس لأحد أن يقوم بتوجيه أحد في المسألة الدينية، لأن الخطأ هنا قد يُكلف صاحبه الكثير، مع عدم إمكانية التعويض عن ذلك. والإكراه لا يحقق نتيجة في قلب معتقدات أي أحد، لأن المنطوق قد يتغير مخافةً، لكن ما بالقلب يظل ثابتًا، وهذا يؤدي إلى النفاق فقط لا غير. ملاحظة مهمة هنا هي أن هذا التسامح الكبير لا يخص إلا المسيحيين فيما بينهم وأن التسامح هو من مميزات الكنيسة الحقة.

جون لوك أسس لمفهوم علماني محض -كما نفهمه اليوم- لأنه قدم للأفراد كامل الحرية في تسيير حياتهم والتقرير في شؤونهم الدينية الخاصة

مواقع التواصل
 

وعلى اعتبار أن الإنسان لا يكون داخل كنيسة معينة بالطبيعة -أي بالفطرة- فله، حين يود الانتساب لكنيسة ما، كامل الحرية في اختيار الكنيسة التي تناسبه، كما أن له نفس الحرية في مغادرتها، لكن رغم هذا فليس للكنيسة أن تتسامح مع أولئك الذين يُصرون على التمادي في الخطأ تجاه الجماعة، على اعتبار أن هذا النوع من التسامح سيؤدي لخراب الجماعة، كما أنه ليس من حق أي شخص تدمير ممتلكات الآخر بدعوى اتباعه لكنيسة مختلفة، ويستمر الأمر حتى لو تعلق الأمر بانتساب الحاكم لكنيسة معينة دون غيرها، لأن الكنيسة لا تكتسب حق السيف بانتساب الحاكم لها، لأن السلام والعدالة والصداقة هي غاية الكنيسة الحقة كيفما كان نوعها. وكل كنيسة تدَّعي الصَّلاح وترمي الكنائس الأخرى بالضلال، هي خاطئة في ذلك ولا وجه لها فيما تفعل، والفيصل في ذلك هو الإله.

بالرغم من أن جون لوك يبدو في عرضه لفكرته حول التسامح مستنيرًا وسابقًا للأفكار السائدة في عصره، إلا أنه لا يقدم فكرة التسامح بصيغة مطلقة عامة، فنجد أنه يضع حدودًا لهذا التسامح، ويقيده بهذه الأشياء: لا ينبغي للحاكم أن يتسامح مع تلك العقائد التي تضم تنافيًا مع الأخلاق الطيبة العامة والمشتركة داخل المجتمع، ولا أن يتسامح مع الكنائس التي تقوم بالمطالبة بما هو محرم، مثل ممارسة الهرطقة، ولا مع كنيسة تقدم نفسها باعتبارها تابعة لحاكم أجنبي، ولا مع الملحدين الذين لا يؤمنون بوجود إله من الأساس.


وعلى سبيل الخلاصة العامة، نجد أن جون لوك أسس لمفهوم علماني محض -كما نفهمه اليوم- لأنه قدم للأفراد كامل الحرية في تسيير وتقرير شؤونهم الدينية الخاصة، وبدأ مرحلة تقوم على التمييز الكامل والدقيق بين مَهامِّ السلطة الدينية والسلطة المدنية، كما أنه أقر بأن حرية الضمير هي حق طبيعي لكل إنسان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة