لمى خاطر
لمى خاطر
1.6 k

ماذا لو نُقلت السفارة الأمريكية إلى القدس؟

6/12/2017

وفق أعراف وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، فإن القدس هي مدينة محتلة، ومع ذلك كانت حاضرة (كعاصمة لدولة إسرائيل) في حملة الرئيس الأمريكي ترمب الانتخابية، مع وعد بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في حال فوزه. قد يبدو غريباً هذا الاهتمام بموضوع القدس وتأكيد يهوديتها لدى ترمب، رغم كل ما يقال عن حاجته لاسترضاء رموز اللوبي الصهيوني في أمريكا، لكنّ هنالك استفساراً يبدو أكثر إلحاحاً حول الرابط بين هذا التحفز الترمبي للخطوة وبين (موضة) الهاشتاجات المناوئة للقدس والمقللة من شأنها، والتي تقوم عليها لجان إلكترونية محسوبة على نظامي السعودية والإمارات!

 

احتشاد تلك القضايا لا يمكن أن يكون محض صدفة، فتهاوي مكانة القدس في نفوس المسلمين والعرب سيعني بالضرورة نزع فتيل الاستعداد للدفاع عنها، وغياب المحرّك القادر على إدامة أجواء المواجهة مع غاصبيها، وحالة البرودة الشعورية تلك تبدو مناخاً مثالياً لمقارفة جميع الخطايا السياسية والمغامرات العسكرية.

 

ولقد ولّى الزمن الذي كنا نطالب فيه الأنظمة العربية بالوقوف أمام مسؤولياتها تجاه القدس، ذاك زمن يبدو ناصعاً بعض الشيء مقارنة مع هذا الذي صرنا نرجو فيه أن تكون هذه الأنظمة أقل خسة فقط في تعاطيها مع موضوع المقدسات، ونتمنى ابتعادها عن التحريض على القضية الفلسطينية، والكف عن مغازلة الاحتلال الصهيوني وتفهّم سياساته!

 

لن تغير خطوة نقل السفارة الأمريكية شيئاً على الأرض، فالقدس محتلة بالكامل، ودولة الاحتلال لم تعد تعبأ بأن يمنح العالم خطواتها التهويدية والاستيطانية شرعية ومباركة

رويترز
 

ينشغل العرب الرسميون ومعهم السلطة الفلسطينية في التحذير فقط من تداعيات خطوة نقل السفارة، ليس لِما قد تفرزه على الأرض وتشرعنه من سياسات تهويدية صهيونية جديدة، ولا حتى لما ستعنيه من إجهاض لفكرة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران، ولا لما يمكن أن تشكله من خطر على وضع المسجد الأقصى، إنما تنطلق كل التحذيرات من منبع واحد وهو فقط تداعيات الخطوة على حالة السلم والاستقرار القائمة أو المتوهمة، فهذا ما يبدو مهماً وحسب، أي التطورات وردود الفعل الميدانية التي يصعب التكهن باتجاهها أو مداها.

 

في هذه الاعتبارات التي تحكم التحفظ الرسمي العربي على خطوة نقل السفارة شيء من النذالة السياسية، لأن تحفظهم نابع من خوفهم على اهتزاز عروشهم وليس على مستقبل القدس، لكن الأمر يعكس من جانب الآخر حقيقة أن كل إجراءات الأنظمة الاستئصالية بحق معارضيها والمتمردين على سياساتها وحاملي هم الثورة لم توفر لها اطمئناناً بأن الأمر قد استتب لحكمها ولمخططاتها، وأنه سيظل لديها قناعة بحتمية انفجار الأوضاع وتهديد عروشها طال الزمن أم قصر، وهذا بحد ذاته ينبغي أن يكون دافعاً لاستثمار كل لحظة غضب حاصلة أو متشكلة على هامش قضيةٍ ما، على أمل تمددها واتساع دائرتها.

 

خطوة نقل السفارة للقدس قد تفرز محفزاً جديداً للصراع مع الاحتلال، وتسخّن أجواب الغضب الفاترة، وتعيد تصويب الأنظار نحو القدس، التي ما تزال مفجّرة معظم الانتفاضات

لن تغير الخطوة في حال إنفاذها شيئاً على الأرض، فالقدس محتلة بالكامل، ودولة الاحتلال لم تعد تعبأ بأن يمنح العالم خطواتها التهويدية والاستيطانية شرعية ومباركة، فهي ماضية دون توقف، وغدت أمراً واقعاً لا رجعة عنه، وقد رأينا أن ما يمكن أن يحملها على الرجوع خطوة إلى الوراء وعلى إلغاء جانب من إجراءاتها ضد المقدسات هو فقط التلاحم الشعبي المقاوم بمختلف أشكاله، خصوصاً إن كان كثيفاً وسريعاً كما حصل في اعتصام باب الأسباط في تموز الماضي.

 

ولكن كيف تراه سيكون موقف السلطة الفلسطينية في حال أقدمت الإدارة الأمريكية على نقل سفارتها إلى القدس؟ هل ستكتفي بمباركة الفعاليات الميدانية المناصرة للقدس والمناهضة للخطوة، مع زمجرة آنية تهدد بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال؟ أم ستدرك بالدليل عقم خياراتها السياسية، ثم تفكّر في غيرها بالرجوع إلى الإجماع الوطني؟

 

ثمة جانب مبشر في الأمر رغم كل ما يلفه من قتامة وهو أن هذه الخطوة قد تفرز محفزاً جديداً للصراع مع الاحتلال، وتسخّن أجواء الغضب الفاترة، وتعيد تصويب الأنظار نحو القدس، التي ما تزال مفجّرة معظم الانتفاضات، أو لعلّها تفضي إلى تدشين محاضن جديدة للتطرف (بلغة العرب الرسميين) ، ويبدو أن هذا تحديداً ما دفع ترمب إلى تأجيل إعلان الخطوة، وربما ترقّباً لتوقيت أكثر رداءة من هذا، أو انتظاراً إلى أن تحدث سياسات حلفائه العرب الممنهجة ضد رمزية القدس إنجازاً ملموساً في الوعي العربي والمسلم، بحيث تفقد القدس مكانتها لديهم، أو يضعف الارتباط الوجداني الحميم بها، غير أن تلك أمنية ستظل عصية على التحقق مهما اجتهد وتذاكى ترمب وحلفاؤه السفهاء.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة