خليل الناجي
خليل الناجي
280

أزهار الحرب

7/12/2017

أحياناً يضطر الإنسان لصياغة كتاب، أو دراسة، أو سلسلة مقالات، وذلك في محاولة منه لتقديم فكرة والدفاع عنها بشكل كبير. لكن بالمقابل، نجد أمور وأشياء أخرى تقوم باختزال العديد من الكتب بصيغة فنية جمالية، وتوصل بها رسائل ربما قد تكون أكثر قوة حتى. ما أقصد هنا هو صناعة الأفلام. وربما قد يكون في نظري فيلم "أزهار الحرب" من بين أرقى وأجمل صيغ التعبير عن الفكرة المهمة والقوية بشكل جمالي لائق وجذاب.

 
تدور قصة فيلم "أزهار الحرب" الفيلم من بطولة كريستيان بايل، وإخراج زانغ ييمو في سنة 1937، أي في خضم الاجتياح الحربي الياباني للصين. اعذروني لأنني لن أخوض في التفاصيل الدقيقة والكاملة لقصة الفيلم، وذلك حرصاً مني على عدم إفساد متعة مشاهدة الفيلم على قراء هذه التدوينة ممن قد يودون مشاهدته لاحقا. لكن عموماً فإن أحداث الفيلم تدور كلها وسط الحرب. أي أن جميع المشاهد تقريباً تتخللها معاناة ودم وصراخ ونزوح وفرار لأولئك الذين تركوا ورائهم كل غالٍ ونفيس لأجل حفظ حياتهم. فروا وتركوا ورائهم وحشاً ضارياً اسمه الحرب.
 
فجأة، ينتقل بنا الفيلم إلى أحد الأديرة. داخل الدير يوجد قس قائم على الكنيسة اسمه جون ميلر، وخادم له ومجموعة فتيات صغيرات في سن "الزهور" يدرسن ويعِشن داخل ذلك الدير. الجو المخيم على الفتيات ومعهم القس وخادمه اللذيْن يحاولان ما استطاعا حماية وتأمين حياة الفتيات البريئات. وهم باعتبارهم جماعة مختبئة داخل الدير، ليست لهم سوى مَهمة واحدة، وهي ألا يتعرضوا للقتل (ويالها من مَهمة!).

  
لكن بعد هذا كله اتضح أنه في الحي المجاور كانت هناك شقة للدعارة بها مجموعة من الشابات اللواتي لُذن بالفرار أيضاً من ويلات الحرب. لكن مع ذلك فإنهن لم يجدن سوى ذلك الدير للاختباء، فَفِيه من السكينة والهدوء ما يبعث على طمأنة أنفسهن والتهدئة من روعهن. لكن هيهات هيهات، فكيف بمجموعة من الفتيات إضافة للشابات والقس وخادمه أن ينفلتوا من بين القبضة المطبقة للحرب القاتلة! كيف لِآلة الحرب أن تترك ورائها إنساناً أو شجرة أو كائناً حياً؟ كان جميع من يختبئ داخل الدير يعلم بأن النهاية آتية، وبأنها مسألة وقت فقط، إنها مسألة حتمية.
 

خلاصة الفيلم هو دعوة إلي وإليك حتى نقوم بإعادة التفكير في أحكامنا، أو ربما حتى دعوة أن نترك أحكامنا معلقة دائماً، فمدى خيرك أو شرك يتحدد بتعاملك مع الناس وفي مختلف المواقف

مواقع التواصل 
 

فجأة، دخل كبيرهم، الشخص الثاني بعد الزعيم، أي المُخرب الثاني للعمران الإنساني. اقتحم الدير معلناً وصول آلة الحرب لتقوم بواجبها على أكمل وجه. استدعى القس باعتباره الرجل المسؤول عن المكان. قال له سأمهلك وقتاً قصيراً، ثم سأعود لاحقاً لآخذ الفتيات الصغيرات لأقدمهن كهدية لزعيمنا الأكبر وأصدقائه. سنقيم حفلة ضخمة معلنين انتصارنا وقضائنا على الجيش الصيني، وسترقص تلك الفتيات الصغيرات للزعيم.

 
عاد القس يجر ورائه ذيل الحسرة والخيبة. لكن كيف به أن يُقدم الفتيات الصغيرات ضحية لأجل أن يخلص نفسه! كيف تطاوعه نفسه للقيام بهذا الفعل الذي فيه من الجُبن ما لا تطيقه الأخلاق؟
لذلك فقد عزم على المقاومة، ومهما كلَّفه ذلك فإنه لن يستسلم. لكن فجأة وعلى حين غرة من الجميع، وفي وسط ذهول القس تطوعت الشابات لأجل أن يأخذن مكان الفتيات الصغيرات، ويذهبن بدلاً عنهن. قالت إحدى الشابات بأنها لن تسمح بضياع طفولة بريئة أمام عينيها حتى لو كلفها ذلك حياتها.

 
وذلك ما كان حقاً، استعدَّت الشابات من أجل الذهاب مع الجيش، ولما حضر قائد الحرب لمَّهن وانطلق لتلك الحفلة الصاخبة. وهنا استغل القس وخادمه والفتيات الصغيرة انشغال أفراد الجيش لكي يلوذوا بالفرار في عربة قديمة مهترئة. لكن لم يعلموا ماذا صنع الزمان بأولئك الشابات، وأغلب الظن أنهن تعرضن للقتل بعد نهاية الاحتفال.

 

لماذا أعتقد بأن لهذا الفيلم من الأهمية بمكان حتى أفرد له تدوينة بأكملها؟ ربما هناك العديد من الرسائل التي يمكن استشفافها انطلاقاً من هذا الفيلم. وقد يستنتج القارئ رسالة مفادها أن آلة الحرب لا ترحم صغيراً ولا كبيراً، ولا تترك ورائها أخضراً ولا يابساً. براثن الحرب تترك نذوباً عميقة في جلد البشرية، وقد يتطلب الأمر سنين طويلة حتى تُشفى من آثارها، وأحياناً قد لا تُشفى أبداً! لا يمكن تشبيه الحرب سوى بثور هائج داخل معمل للفخار. فلا هو يهتم بما يكسر، ولا هو ينتبه أين تطأ قدماه. هيجانه يقوده بحركات عَرَضية عشوائية، إنها تخبط خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ تُمِـتْهُ، وَمَنْ تخطيء يُعَمَّـرْ فَيَهْـرَمِ.

قد تكون إنساناً متخلقاً لكن في لحظة تفقد كل ذلك، وقد تكون إنساناً عادياً وتتحول إلى بطل باتخاذك للقرار الصائب في الوقت الصائب

مواقع التواصل 
 

كل هذا صحيح وواضح جلي، لكنني أود التحدث عن استنتاج آخر، رسالة فلسفية عميقة قرأتها بين لقطات ومشاهد الفيلم. إنها مسألة التريث في إطلاق الأحكام، وخصوصاً القيمية منها. لأنه كما نعلم، ففي المجتمع، وبطريقة مرسخة عفوية منطبعة داخل كل ذهن وخاطِر: بائعة الهوى ومحترفة الجنس إنسانة سيئة الأخلاق، منحطة القدر، قذرة الأفعال، لا تعرف الفرق بين الشر والخير، تبيع نفسها إذن فهي لا تتردد لأجل بيع العالم.

 
لكن، هل هذا ما يقع حقاً؟ هل كل بائعة هوى شيطانة وكل الناس الآخرين فُضلاء؟ أليست الفضيلة مرتبطة بالأفعال اليومية، بطريقة التعامل، وليست مرتبطة بمجال الشغل. أثناء فترة الاختيار، في مرحلة اختبار الإرادة الحرة، هنا قد يتحول الفاضل إلى شيطان، ومحترفة الجنس إلى ملاك. كلامي ليس دفاعاً عن أحد، ولا اتهاماً لآخر. إنما هو دعوة لأجل إبطال الأحكام القيمية. هو اقتراح مني لكي نقوم بإزالة تلك الخانات التي نقوم بتجهيزها داخل أنفسنا مسبقاً لكي نقوم بتصنيف الناس داخلها دون تعامل مباشر معهم. فإذا كنت تقطن بالحي الفلاني، أو تنتمي للحزب العلاني، أو تتدين بالدين التالي، أو تمارس الرياضة الآتية فأنت بالضرورة وبدون نقاش إنسان سيء أو فاضل.
 
خلاصة الفيلم هو دعوة إلي وإليك حتى نقوم بإعادة التفكير في أحكامنا، أو ربما حتى دعوة أن نترك أحكامنا معلقة دائماً، فمدى خيرك أو شرك يتحدد بتعاملك مع الناس وفي مختلف المواقف. قد تكون إنساناً متخلقاً لكن في لحظة تفقد كل ذلك، وقد تكون إنساناً عادياً وتتحول إلى بطل باتخاذك للقرار الصائب في الوقت الصائب.

 
وأختم تدوينتي هاته بأن أقول بأن "أزهار الحرب" في الفيلم قد نجت بأعجوبة، لكن أزهار ربيعنا العربي لازالت تُداس بالأقدام يومياً، ولا نعلم متى ستتوقف آلة الحرب عن حصدها للأرواح البريئة بمبررات لا توجد أصلاً

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة