ياسر السيد عمر
ياسر السيد عمر
10 k

بينما هي في غرفة الولادة

1/2/2017

لم أكن أدرك وأنا أكتب تدويني الأخيرة: "شكراً بحجم السماء"، أنني سأكون الضحية هذه المرة، وأنني سأقف عاجزاً عن الشكر بعد أقل من أسبوع على كتابتها، وأن حروف الشكر ستتساقط أمام عيني دون قدرتي على التقاطها.

 

بينما تدخل زوجتي إلى غرفة الولادة، وأجلس بعيداً عنها في غرفة الانتظار، بدأت المشاعر تتأرجح داخلي وتختلط عليّ، وبدأت لا أعي أي منها تلحّ عليّ أكثر، فمشاعر من السعادة تفيض وترسم لوحة طفل جميل أمامي، ومشاعر من الخوف الأعمى تهددني وتأبى إلا أن تنغص عليّ لوحتي!

 

قلبي يدق والسرور يحيط به ويقول: إهنأ فستكون أباً من جديد، وعقل بارد يرد عليه: يا أبله! وأي مسؤولية متعاظمة ستلقى على كتفه من جديد!

 

رغم كل ما قرأناه عن الولادة وآلامها، إلا أن الأمر مختلف حال الولادة، فالمشاعر وتقلباتها أٌقوى في ذلك الموقف من فسيولوجيا التفاصيل، إذ أن هالة قدسية تحيط بالموقف فتجعله مستعصياً على استخدام المادية في وصفه.

 

بينما أقف على الباب منتظراً ومتوتراً، غدت الحياة عادية بسيطة لمن هم حولي، خاصة للممرضات والعاملات، فالحياة لم تتوقف عندهم كما توقفت عندي، وملامح وجوههم تتغير بشكل اعتيادي، لا كملامح وجهي الذي تصلب على شكل عجوز باكي

في تلك اللحظات، وبينما كنت استذكر زوجتي، شعرت مليّاً بالضعف أمام قوتها، وبالأنانية أمام تضحيتها، وبالعجز أمام ما تقدمه للإنسانية من دفع باتجاه بقاء نسلها والحفاظ على مكنونتها.

الرجولة التي تعتريني انقلبت طفولة أمامها، والبأس الشديد الذي اتفاخر به غدا مرتخياً، والذكاء الذي اعتمد عليه استحال عجزاً.

 

في تلك اللحظات، تبحث عن قوة عليا تشد أزرك بها، وتقوي ضعفك بها، فتراك تتوجه بكل طاقتك إلى الله، فتشتد علاقتك معك، وتصبح تتمتم بكل ما تحفظ من أدعية وآيات، تتلوها وترددها، وتطيل ذكرها، بغية أن يخفف ذلك عنك وعنها جزءاً من الموقف الصعب الذي تعيشانه.

 

في تلك اللحظات، كان من البديهيّ أن أتذكر أمي، وأن أتخيل حجم عقوقي وقلة وفائي، وأضعه بجانب عطائها، لا من أجل المقارنة والحساب، فالنتيجة واضحة، ولكن للعظة التي نسيتها في زحمة الحياة.

 

بينما أقف على الباب منتظراً ومتوتراً، غدت الحياة عادية بسيطة لمن هم حولي، خاصة للممرضات والعاملات، فالحياة لم تتوقف عندهم كما توقفت عندي، وملامح وجوههم تتغير بشكل اعتيادي، لا كملامح وجهي الذي تصلب على شكل عجوز باكي! فقدسية اللحظة - كما يبدو - لم تشملهم، ولم تغير جزءاً من اعتيادية حياتهم في هذا المكان.

 

على الباب أقف منتظراً البشرى، لعلّ أحدهم يهلهل وينطق بها، فيروي عطش روحي لسماعها، ويعيد لمشاعري توازنها بعد اختلاطها.

 

على الباب أتمثل العجز بحالي، وقولي، وأتقرب به إلى ربي، مستذكراً حال أهل الصخرة، ومن تاهت بعيره في صحراء صعب عليه إيجادها.

 

على الباب أستذكر بشير يعقوب، وقلب أم موسى، وقسوة فرعون ذلك الزمان، وجبروت فراعنة هذا الزمان، وقلوباً تفطرت على أبواب الرجاء تتنظر بشرى هابطة من السماء تزيح عنها آلام عُمر هرم في انتظار لحظة لقاء.

فيا ربُّ.. عجل باللقاء..

كلمات مفتاحية: الولادة، أبوة، الأطفال، اللقاء

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة