مي ملكاوي
مي ملكاوي
1.5 k

عندما تهاوى الحُلم!

1/2/2017

سيكلفك الحُلم عمرَك، وحالة من الإنفصال عن نفسك قد تمتد لسنين قبل أن تجد روحك من جديد، وبعد مدة ستكون شخصاً جديداً، طبيعي... كأي تجربة إنسانية أخرى، إلا أن الحلم الأمريكي سيكون مختلفاً، وسيُكلفك اغتراباً طويل الأمد، عظيم الصبر.

 

هي حالة يشعر بها تقريباً كل مغترب قرر أن يستقر في الولايات المتحدة الأمريكية، وبطبيعة الحال، لا تشبه ظروف كل شخص ودوافعه للاغتراب في البلاد البعيدة كظروف أشخاص آخرين بالضرورة؛ فلكل ظروفه وطبيعة اغترابه.. للعمل أو للدراسة أو لكليهما، لكن كلمة "تغيير المعيشة وتحسينها" تتشابه عند الجميع.

البعض يهرب هرباً؛ فيصبح مهاجراً غير شرعي، لينتظر سنوات حتى تتسنى له الظروف كي ينتقل إلى كلمة "شرعي"، وحسب مجريات الأمور، فإن حصل على الجنسية الأمريكية الحلم بسرعة من خلال عقد عمل مدهش أو بالزواج من امرأة أمريكية... فهو محظوظ، لكن إن تغرب مع زوجته مثلا وقررا البقاء وأنجبا أطفالاً أمريكيين فقد ينتظرا دون أن يتمكنا من مغادرة أمريكا إلى أي دولة أخرى قرابة عشرين عاماً حتى يمنحهما أكبر طفل البطاقة الخضراء "طريقُ الحلم"، وكثيرون فعلوها بصدر رحب، فبالنهاية... الحلم سيتحقق والحياة جميلة.

والبعض حقق حلمه بصورته المشعة والمتفرّدة كمهاجرين مبدعين وصلوا إلى ما صبوا إليه ووجدوا البيئة الخصبة الحاضنة، وهؤلاء أصبحوا أكاديميين وأطباء وعلماء ومخترعين ورواد فضاء، ممثلين وفنانين ومدراء شركات عالمية وموظفين فيها، وهنا لا يشبه حلمهم أحلام أولئك البسطاء تفكيراً وعيشاً.

 

والحلم الأمريكي لا يقتصر على العرب والمسلمين دون غيرهم، الملايين من كل أعراق العالم النامي من اللاتين والآسيوي والشرق آسيوي وشرق المتوسط والأفريقي وحتى دول الاتحاد السوفييتي، كلهم يحلمون ذات الحلم. بعض الجنسيات كالمكسيك تهرب بالأعداد من جحيم البطالة والفقر والعازة، إلى الجنة الأميركية المُتخيلة، فيجدون العمل والبيت والمال وإن كان "على القد"، وفي أحوال كثيرة يجدون دعماً مادياً من الحكومة الأمريكية لأطفالهم الذين يولدون أمريكيين، طبعاً فدولة القانون تحافظ على أبنائها بغض النظر عن عرقهم أو أصلهم أو ديانتهم، طالما يحملون الجواز الحلم.

 

ولا يعتبر الحلم الأمريكي مستحيلا كالأحلام العربية مثلاً، فتحقيقه يتطلب بضعة خطوات، وفيزا وسبباً وجيهاً للاغتراب، وما إن تطأ قدماك أرضها، حتى تساورك الأفكار بالبقاء وغالباً ما ستتخذ القرار الأبدي لو تيسّر لك.

البعض يهرب هرباً؛ فيصبح مهاجراً غير شرعي، لينتظر سنوات حتى تتسنى له الظروف كي ينتقل إلى كلمة "شرعي"، وحسب مجريات الأمور، فإن حصل على الجنسية الأمريكية الحلم بسرعة من خلال عقد عمل مدهش أو بالزواج من امرأة أمريكية فهو محظوظ

لكنني ما زلت أرى الحلم قاصراً وتشوبه العيوب، وأَعْجَبُ إذ أرى الأعداد المهولة من الحالمين، والذين حققوا أحلامهم يعيشون بسعادة وهناء نفسي، متجاهلين ذلك الشعور بالغربة المريرة، وهم لا يفكرون أصلاً بقطع حلمهم من أجل العودة لبلادهم وأقاربهم، وجوابهم على رأس لسانهم: لأي شيء نعود؟ للمدن المتهالكة، والقوانين المخترقة، والحكومات المتآمرة؟ للضيم والظلم؟ للبطالة؟ أم للهواء الملوث، والطبيعة التي تنازع الموت؟

فأصمت، ولا أجد رداً، بل وأبادلهم بعضاً من مشاهد الحلم، فتترائى أمامي البيوت المرتبة، والطبيعة الغناء والهواء الطلق والمتنزهات المنتشرة في كل مكان وبين البيوت، والنظافة التي تتمتع بها غالبية المدن والخدمات الرائعة للمراكز الاجتماعية والصحية والمستشفيات العامة، والناس الذين يحترمون بعضهم البعض، طالما يحترمهم القانون ويلتزمون به، وطالما أخذوا حقوقهم، حتى وإن كانوا من الطبقة العاملة الكادحة. حتى الفقر والتشرد والجوع المنتشر تبذل الحكومة جهوداً للبحث عن حلول لها، فتعد البرامج لهؤلاء في كل مدينة كي تطعمهم وتؤمن مأوى لهم وتصرف لهم ما يعيشون فيه.

 

حسناً أعترف أنني رحت أبحث عن سلبيات الحلم، تلك التي أخذ الرئيس الجديد الجدليّ دونالد ترمب يحاول إثباتها ليهدم الحلم فوق رؤوس الحالمين، كالخوف والقلق والشعور الغريب بالوحدة رغم وجود الناس، والعنصرية التي تنتشر وتتزايد ضد العرق الأسود والمهاجرين والمسلمين، كرتابة الحياة وتكرارها والناس المشغولين بأنفسهم ومصالحهم ينتظرون ليلة الجمعة والسبت بفارغ الصبر كي يحتفلوا حتى الصباح، ويعودوا من جديد إلى رتابة العمل يوم الإثنين. كالحياة الاجتماعية الكئيبة، كالخوف على أطفالك في المدرسة وداخل المجتمع الذي لا يشبهك، كالرعب من فكرة تعرّفهم على عالم المخدرات والجرائم والعلاقات المحرمة وغيرها.

والمغتربون لهم شأن يختلف عن الأمريكيين أنفسهم، فمن يختار أن يعيش الحلم الأمريكي يحاول دوماً الدخول في شبكة اجتماعية تتكون من أشخاص يشبهونه ويعيشون بنفس ظروفه و"يحكون" نفس لغته لدرجة أن فئة كبيرة من الناس لا تتحدث الانجليزية، وقد يقاسي كثيرون ظروف عمل صعبة وساعات عمل طويلة ومرهقة، كي يوفروا على أبنائهم العيش داخل أسوار حلمهم الجميل.

حسناً قد أكون فشلت في رصد السلبيات؛ فكلما حكيتها لأحد تجاهلها وأغضَّ الطرف عن التفكير بها، لكنهم اليوم ربما بدأوا يفكرون أكثر وتسري رعشة الخوف من المستقبل في أوصالهم أكثر، أنا لن أنتقد أولئك الحالمين ومن يسعون بأي طريقة لتحقيق أحلامهم، فالاغتراب له حكمة وغاية لطلب الرزق وطلب العلم وطلب التغيير الذي أنهك عقول العباد في البلاد.

لكن الأحداث الحالية مع وصول ترمب إلى البيت الأبيض جعلت الحلم يبدو فعلاً وكأنه بدأ يتهاوى، فالحالمين ينتظرون بقلوب نابضة واللاجئين ينظرون بعيون تائهة، إلى حلمهم الأمريكي الجميل، خوفاً من أن يتحول الى كابوسٍ جديد في حياتهم.

 

ووسط كل تلك المعمعة والأحداث الجديدة التي لم يتوقعها أحد بهذه السرعة، أجدني أقول بصدق ولكم الخيار: إن أمريكا ليست جنة، كما أنّ بلادنا العربية ليست جحيم الله في الأرض.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة