وسائل التجسس الاجتماعي

1/2/2017
باتت وسائل التواصل الاجتماعي في اليمن، وكراً مخابراتياً لسلطات الأمر الواقع (جماعة الحوثي)، إذ ينشط المئات من الإعلاميين والسياسيين التابعين للجماعة في مختلف مواقع التواصل لمتابعة أرباب الأقلام من الساسة والمثقفين والناشطين المعارضين لهم، بغرض جمع المعلومات الكافية عن ميادين عملهم ومساكنهم، تمهيداً لاختطافهم والتفنن في تعذيبهم لاحقاً.

بضع من أترابي الناشطين في مواقع التواصل، تم اختطافهم من قبل الجماعة، وأُودِعوا في المعتقلات على خلفية منشوراتهم في تلك المواقع، وتعرضوا للأذى نفسياً وجسدياً، أُفرج عن بعضهم بضمانات وسطاء رفيعي الشأن، وبقي بعضهم الآخر يكابد أصناف التعذيب في تلك السجون المثيرة للهلع، أما أرباب الأقلام المعارضة، التي تكتب من المهجر، فيكتفي المخبرون بالتعقيب على كتاباتهم، بأبشع العبارات، وأقذع الألفاظ المنفلتة.

ذلك التوظيف المبتذل لمواقع التواصل الاجتماعي، أسهم في رفع منسوب قمع الحريات في بلد صم آذاننا ساسته بالديمقراطية والتعدد الحزبي المزعوم طيلة ثلاثة عقود من الزمن، بل إن ذلك التوظيف القائم على جذور التسلط، انعكس سلباً على الوعي المجتمعي، وأفرز كبائراً كالأمية والمناطقية، والسلالية، وهي مخرجات ناتجة عن  ترسب هرمون الفرعنة في قوام الكيان الانقلابي الحاكم في اليمن، وهرمون الفرعنة ذاك هو المسؤول عن توليد شحنات التغطرس وموجات الاستعلاء على الشعوب  في عقول الأنظمة الديكتاتورية على مر التاريخ.

يود كثير من القادة المستبدين في العالم، لو بوسعهم أن يقدموا أموالاً طائلة من خيرات شعوبهم لمؤسسي مواقع التواصل، أملاً  في تعاونهم لقمع كل الأقلام الناقدة، بتعطيل حساباتهم، أو مصادرتها، وهي أمنيات لن يكتب لها النجاح بأي حال من الأحوال، كوننا في عصر باذخ بالتكنولوجيا، وعامر بتقنية الرقمنة، فضلاً عن أن مؤسسي تلك المواقع يؤمنون بالحرية، ويقدسون العدالة، عكس تلك الأنظمة المتحجرة والقائمة أصلاً على أنقاض الديمقراطية المغدورة بين أظهرهم.

بات الجهل والخواء الفكري والنقدي من أبرز ملامح المرحلة اليمنية، لكن مازال العمل معقوداً بإمكانية القضاء على داء الشللية تلك، حال تمكن السلطة الشرعية من استعادة زمام الأمور.

ليس عدلاً أن تصادر حقوق الكُتّاب والمثقفين الذين يمثلون لسان حال الشعوب، وليس من العدل أن يتعرض الكاتب لأبشع طقوس التعذيب لمجرد انتقاده للحاكم في منشور في الفيسبوك أو تويتر أو غير ذلك، ممارسة أذناب الأنظمة الحاكمة للجاسوسية على صفحات المثقفين والكُتّاب، يعد هتكاً صارخاً لقوانين وسياسات مواقع التواصل نفسها، والجاسوسية في العالم الافتراضي لها طرق يجيدها أربابها الذين تربوا في بهو زاخر بالتملق للجلاوزة، أعلى تلك الطرق هي الأسماء المستعارة في (الفيسبوك)، وهي إما أسماء منتحلة لشخوص غير حقيقين، وإما أسماء أنثوية _وهي الأغلب _إذ يسهل على الجنس الناعم  الإيقاع باليمني، واستنطاقه بأي شيء تستقضيه المهمة، وأدناها المتابعة الدائمة لما ينشر في صفحات المعارضين والنقاد، ومن ثم الإبلاغ عن صاحبها للجهاز الأمني الخاص بالنظام الذي أوكله بتلك المهمة.

لقد بتنا نحن معشر الكُتّاب والنقاد اليمنيين نعيش في عزلة إجبارية خارج فضاءات التخصص، وبعيداً عن صفحاتنا في مواقع التواصل، بعد أن أصبحت الحياة الواقعية والافتراضية مرتعاً خصباً للمخبرين، والعسس التابعين لسلطة أصولية موغلة في الإيذاء، منزوعة الوعي بالحقوق، والواجبات التي تشكل حلقة دائرية بينها، وبين المواطنين بمن فيهم أرباب الأقلام.
 
على الصعيد الشخصي، كم هي المرات التي تصلني فيها رسائل بطلب التعارف من أسماء مستعارة _بين أسماء مؤنثة، وأخرى مذكرة _ في الفيسبوك، تنتابني الشكوك حولها من أول وهلة، فأعرض عنها لدوافع أمنية، وأكتشف بعد زمن أنها لأشخاص يعملون في مطبخ الجلاوزة والعتاة، رغم أني من طبقة الكتاب المغمورين، وأنتقد السلطة القائمة في فترات متقطعة _حسب الأحداث _مقارنة بغيري من الكتاب الذين يحظون بمتابعة كبيرة في مواقع التواصل.

غالبية المثقفين والكتاب الذين يقيمون داخل الوطن، اليوم تغشى صفحاتهم السكينة، فقد أغمدوا أقلامهم تحت سطوة الظلاميين، وجمدوا مدادها مكرهين، ولزاماً على المرء أن يؤثر سلامته، وطمأنينة أطفاله، على العيش في غياهب السجون، تلك التي تغدق صنوف العذاب على نزلائها الأبرياء، خصوصاً في ظل عجز الدولة الشرعية عن استرداد الدولة من بين فكي الانقلاب الذي يحكم بالحديد والنار.

بقي القول إن مواقع التواصل الاجتماعي في يمننا اليوم مصابة بشلل موضعي لايستخف به، بفعل سياسة الحكام الجدد الذين فرضتهم الأصولية المتطرفة، وبات الجهل والخواء الفكري والنقدي من أبرز ملامح المرحلة اليمنية، لكن مازال العمل معقوداً  بإمكانية القضاء على داء الشللية تلك، حال تمكن السلطة الشرعية من استعادة زمام الأمور في كل شبر من يمننا الجريح، ووضع حد للمشروع الظلامي التسلطي الجاثم على أنفاس الوطن.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة