محمود أبو فروة الرجبي
محمود أبو فروة الرجبي
1.1 k

أسباب عدم تطوير المناهج العَرَبِيَّة

11/2/2017

لَنْ نَكُون مبالغين إذا طالبنا بحذف ثَلاثَة أرباع المناهج الْمَدْرَسيَّة العَرَبِيَّة، فَهي فِي غالب الأحوال كارثية، ولا تُلبِّي الطموح، وَمَلِيئَة بالحشو، والتلقين، وَمَلِيئَة بموانع الذَّكَاء الَّتِي نقصد بِها الأشياء الَّتِي تقلل من ذكاء الطِّفْل، وتعيق تطوير تفكيره، وسنتطرق إليها فِي مقال مستقل.
 

ورغم أن هُناكَ مُحاوَلات حثيثة فِي بَعْض الدول العَرَبِيَّة لتطوير المناهج، لَكِنَّها لا زالت حبيسة التفكير داخل الصندوق وَلَمْ تَسْتَطِعْ إلى الآن أن تصل إلَى حد مقبول يُمْكِنُ مَعَهُ القول أن التعليم فِي بلادنا وضع قطاره عَلى سكته الصحيحة. وَلِهَذَا عِدَّة أسباب يُمْكِنُ إجمالها:
 

أولًا: القائمون عَلى المناهج ليسوا نخبة العقول العَرَبِيَّة
وَهَذِهِ مُشْكِلة جذرية فِي الوطن العَرَبي، وتكاد تُعاني مِنْها وزارات التعليم فِي الوطن العَرَبي كله، فعملية التعيين وانتقاء القيادات التربوية مثلها مثل القيادات الأخرى فِي المجتمع لا تتم عَلى أساس الكفاءة والقوة، بَلْ وفْقَ معايير قَدْ تكون ولائية، وعشائرية، ومناطقية، وطائفية، ومصلحية، وَفِي الوطن العَرَبي طاقات هائلة وكفاءات يُمْكِنُ أن تطور المناهج بطرق احترافية عالية، وَلَكِنَّها مُستبعدَة، ولا يُمْكِنُ الاستفادة مِنْها، فمن يُمْسِكَ برسن القِيَادَة هُم المقربون من الحكومات، أو من عائلاتهم، أوْ أحزابهم، أوْ تكتلاتهم، أوْ طوائفهم، وَهَذَا يجعل الأقوى فِي الصفوف الخلفية، والأضعف يتصدّر القَرَارَات.

تعديل وتغيير المناهج مهم جِدًّا، والتغيير المَطْلُوب يجب أن يركز عَلى تطوير قُدُرات الطلبة، وزيادة مقدرتهم عَلى التفكير العلمي السليم، وصناعة منظومة من التفكير الناقد فِي عقولهم.

وَلِكُلّ ذَلِكَ نتائج كارثية، وَحَتَى فِي ظل وجود بَعْض المبدعين فِي دوائر المناهج العَرَبِيَّة فإنهم يعيشون عادة فِي رعب، فَلا يستطيعون الإبداع؛ لأنَّ هَذَا سيسلط العيون عليهم، وسيجعلهم عرضة للانتقام ممن هُم أعلى مِنْهُم مَرْتبة وأقل قُدُرات، لِذلِكَ تجد ذَلِكَ الموظف خاملًا، غير منتج، وَبِمُجَرد هجرته إلى دَوْلَة غربية، أوْ دَوْلَة عَرَبِيَّة تهتم بالتجديد مثلًا، يبدع وَيُصْبِحُ فِي قمة عطائه.
 

ثانيًا: التفكير التقليدي والانهزامية الحضارية
يُعاني العَرَبي من مُشْكِلات فِي التفكير، فَهْوَ يقدّس القَدِيم، ولا يتعامل مَعَهُ بِطَرِيقَة إبداعية بحيث يستفيد مِنْهُ، ويبني عَلَيْهِ، ولا ينظر إلَى المستقبل، وكثيرًا مَا يُعَاني العَرَبي من مُشْكِلة الانهزامية الحضارية الَّتِي تجعله يخاف من التجديد أو الابتكار، فينتظر دَائمًا مَا يَفْعَلُهُ الغرب ليقلّده، ويعدّه مُقدّسًا وغير قابل للنقاش، وَهَذِهِ المَسْألَة غَرِيبَة جِدًّا، فبينما يقدّس العَرَبي الغرب ويعد مَا يقوله هُوَ الصحيح، فِي الوَقْت نفسه يتعامل مَعه أحَيَانًا عَلى أنه كافر، وعدو بِطَرِيقَة بعيدة عَنْ المنطق وغير مَعْرُوفَة المعايير.
 

ثالثًا: ضعف الإنفاق عَلى التعليم
تُعاني الدول العَرَبِيَّة من ضعف الإنفاق عَلى التعليم، فَهي لا تنفق أكثر من 5% فقط من إجمالي الناتج المحلي، وَقَدْ أشار تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى الاختلافات الواسعة بين الدول من حيث الإنفاق على التعليم، فمن بين أكبر عشر دول تنفق نسبة من ناتجها القومي عَلى التعليم لا نجد أي دَوْلَة عَرَبِيَّة.
 

وَالمُشْكِلَة لَيْسَتْ بالإنفاق بَلْ بكيفية الإنفاق، فمعظم مَا يُنفق عَلى التعليم فِي الوطن العَرَبي يَذْهَب إلَى الرواتب، والمفارقة الغريبة فِي الوطن العَرَبي أن أجهزة الدولة فِيهَا مترهلة بِسَببِ كثرة الموظفين الَّذِي لا يَعْمَلونَ، وَلَكِن فِي المقابل تُعاني وزارة التربية والتعليم من نقص شَدِيد فِي الْمُعَلِمين بِالنسبةِ لِعَدَدٍ الطلاب، بَيْنَما فِي الوزارات نفسها هُناكَ ترهل إداري بِسَببِ رغبة عدد كَبِير من أصحاب النفوذ بِالعَمَلِ إداريًّا وَلَيْسَ كمعلمين بِسَببِ الصعوبات الَّتِي يواجهها المعلم فِي الميدان.
 

خامسًا: ردود الفعل غير المتوازنة من الجمهور
تُواجِه عَمَلِيَّة تعديل المناهج أوْ تطويرها فِي الوطن العَرَبي هجومًا شديدًا من عَامَّة النَّاس، والسبب هُوَ التشكك بأن وراء التعديلات جهات أجنبية، وَقَدْ أكدَّ هَذِهِ الشكوك الإلحاح الدائم من منظمات دولية عَلى ضرورة تعديل المناهج لجعلها خالية الدسم من روح المقاومة للاستعمار من جهة أوْ مَا يطلقون عَلَيْهِ العنف من جهة أخرى، أوْ عدم تقبل الآخر من جهة ثالثة، وَقَدْ تحتوي المناهج بَعْض العنف والسلبيات فِي هَذَا الاتجاه -باستثناء مَوْضُوع روح مقاومة الاستعمار فَهَذَا يجب أن يَكون جزءًا من الثقافة العامة لأي شعب-، وتحتاج إلَى مراجعات بِخُصوصِ العنف المزعوم، وعدم تقبل الآخر، وَأفضل المراجعات مَا تأتي ضمن الأجندة الوطنية لِكُل دَوْلَة بعيدًا عَنْ الإملاءات الخارجية، وَيَجِب العلم أن المناهج فِي أي دَوْلَة خَط أحمَر خاص بِها، وأي تدخل خَارِجِي فِيهَا يأتي من بَاب انتهاك الخصوصية الوطنية، ولا يُمْكِنُ التسامح مَعَهُ.
 

لِذلِكَ فإنَّ أي توجه مستقبلي صادق من داخل الوطن العَرَبي لتغيير المناهج سيقابل بِمُقَاومةِ شديدة من جهات عديدة بعضها بنية صافية وخوفًا عَلى الأخلاق العامة، والقيم الإيجابية الموجودة فِي المناهج، وجهات أخرى لا تُريدُ للبلاد العَرَبِيَّة التطوير. وَهَذَا يدعونا إلَى التعامل الواعي مَع أي عَمَلِيَّة تعديل للمناهج، ومحاكمتها وِفْقَ معايير واضحة بعيدًا عَنْ التشنج والأحكام المسبقة، وَذَلِكَ كله ناشئ عن أن العَرَبي لا يثق بحكومته عادة، ويشعر فِي غالب الأحوال أن وراء أي عمل جديد مؤامرة مَا.

 

الخُلاصَة: تعديل وتغيير المناهج مهم جِدًّا، والتغيير المَطْلُوب يجب أن يركز عَلى تطوير قُدُرات الطلبة، وزيادة مقدرتهم عَلى التفكير العلمي السليم، وصناعة منظومة من التفكير الناقد فِي عقولهم، إضافة إلَى التركيز عَلى الأخلاق الشاملة الَّتِي تتضمن تقبل الآخر، ومد يَد العون لَهُ، والشهامة، وحب الوطن، والتضحية من أجله، والإيمان العميق، والتسامح، وحب النجاح، وَالبَحْث العلمي، والتعايش، وغيرها من القيم الجُمْلَة الإنسانية الَّتِي تنفع كُل النَّاس.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة