عز نجاح
عز نجاح
620

السيسي والأزهر.. معركة الأيديولوجيا

12/2/2017

"لذلك، وعملًا بقانون الشرع الإسلامي القائل بأن ارتكاب أخف الضررين واجبٌ شرعي، وخروجًا من هذا المأزق السياسي الذي وقع فيه شعب مصر بين مؤيدٍ ومعارض، فقد أيّد الأزهر قرار الجيش بإجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ مبكرةٍ". جزء من بيان شيخ الأزهر إلى الشعب المصري في 3 يوليو/تمّوز تسويغًا لقرار الجيش آنذاك بالانقلاب على الرئيس المنتخب. "استقل قبل أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، ولا تُدخل نفسك في صراع سياسي أكبر منك، فساعتها ستزلّ قدمك دون مغيثٍ أو نصيرٍ".
 

محمد الباز "رئيس تحرير يومية الدستور المستقلة" محذّرًا شيخ الأزهر بعد عتابٍ مبطّن من السيسي لشيح الأزهر في مؤتمرٍعلنيٍّ عُقد مؤخرًا بقوله: "تعبتني يا فضيلة الإمام"، فماذا أصاب العلاقة بين النظام والأزهر بحيث انتقلت معه العلاقة من طور التماهي إلى الشقاق؟ هل ثمة ابتزاز؟ أم معركة عض أصابع؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه خلافًا سائغًا بين متحَالفيْن؟


الأزهر والسلطة.. الماضي والحاضر
لم يكن الأزهر يومًا مجرد جامعٍ وجامعة، ولم يقتصر دوره على تدريس العلوم الدينية والدنيوية، بل كان له دورٌ سياسيٌّ بارزٌ تذبذب بين القوة والضعف، وظلت علاقة الأزهر بالسلطة تتراوح بين التماهي والتقارب حينًا، والمواجهة والصدام حينًا آخر.
 

عمد "السيسي" إلى ضرورة وجود الأزهر -مُمَثّلًا في شيخه- في مشهد الانقلاب لإظهار الأمر باعتباره ثورةً شعبيةً لا انقلابًا عسكريًّا.

ففي عهد الدولة العثمانية عاش الأزهر واحدًا من أزهى عصوره، حيث تعهّدت الدولة مبانيه بالإصلاح والترميم، وكذا الدارسين بالأدوات التي من شأنها إعانتهم على تحصيل العلم، بل واستحداث منصب شيخ الأزهر للمرة الأولى في تاريخه، حيث كان أول من تقلّد المنصب الشيخ "عبد الله الخراشي" -رغم آراء تاريخية تذهب إلى أن خمسة عشر شيخًا سبقوه إلى هذا المنصب-، كل هذا فضلًا عن تراجع الصراع بين المذاهب الأربعة بشكل كبير، وتزايد إيرادات الأزهر وأوقافه خلال تلك الفترة، وتحمل الأزهر تبعات مسؤولياته في قيادة الأمة في مجابهة الحملة الفرنسية ومن بعدها الاحتلال الإنجليزي.
 

بعد قيام ثورة يوليو فقد الأزهر استقلاليته رويدًا رويدًا، وعمل الضباط الأحرار على الحد من استقلاليته، وتم وضع اليد على أوقاف الأزهر ما أدّى بالأزهر إلى التماهي مع توجه الدولة الإشتراكي وخط المعاداة لإسرائيل والغرب.
 

وساير الأزهر في عهد السادات -الذي كان حريصًا على أن يُصدّر نفسه باعتباره "الرئيس المؤمن"- نظام الحكم الجديد من حيث تأييد المصالحة مع الإخوان، وكذا التطبيع مع إسرائيل، إضافةً إلى القضاء على الشيوعية وفلولها. وشهد عهد مبارك ذروة انبطاح الأزهر أمام رغبة الحاكم ومجاراة الأزهر للسلطة في كل مواقفها ما حدا إلى فقدان الثقة في الأزهر من قطاع عريض من جموع الشعب المصري.
 

الأزهر وثورة يناير.. مكسبٌ لم يكن في الحسبان
فاجأت الثورة المصرية الأزهر كغيره من مؤسسات الدولة، ونظرًا لغياب "النظرة الاستشرافية الاستطلاعية" للأزهر باعتباره جزءًا من نظام بليد بطبعه -فضلًا عن كون الإمام الأكبر للأزهر عضوًا في الحزب الوطني المنحل ولجنة سياساته- لم يخرج الموقف الرسمي للأزهر عن سياق الموقف العام للدولة من حيث وصف الأحداث بكونها "أداةً لتفتيت مصر وتصفية حسابات وتنفيذ أجندات خارجية"، حيث دعا الأزهر الثوار إلى ترك الميدان والعودة إلى بيوتهم تاركين الأمر "للقيادة الرشيدة الحكيمة" ممثلةً في مبارك وقياداته الأمنية.
 

ورغم الموقف المشين للأزهر من الثورة المصرية فإن أجواء الثورة المتسارعة دفعت الأزهر للاضطلاع بدور مهم في الحياة السياسية المصرية والإفلات من سلطة الدولة استغلالًا لحالة الفراغ السياسي الذي خلفته ثورة يناير. ونتيجة لذلك أصدر الأزهر وثيقة بخصوص ثورات الربيع العربي تحت عنوان "وثيقة إرادة الشعوب العربية" فيما اعتُبر حينها نقلة نوعية في خطاب المؤسسة الأزهرية، ثم أعقب ذلك وثيقة "مستقبل مصر" في يونيو/حزيران 2011، ثم وثيقة "منظومة الحريات الأساسية" في مطلع عام 2012. وبذلك استطاع الأزهر تلقّف الفراغ السياسي الذي أنتجته ثورة يناير مدشّنًا من نفسه مرجعيةً للحركة الوطنية المصرية.

 

الأزهر وانقلاب الثالث من يوليو.. مع الحلفاء ذلك أفضل
لم يكن وجود شيخ الأزهر في مشهد بيان الثالث من يوليو مفاجئًا لكثيرين، ليس فقط لموقف الرجل المناوئ للثورات، ولا لكونه أبدى تحفّظًا على الصعود السياسي للإخوان، ولا لكون الرجل معبّرًا عن تقاليد الدولة المصرية العميقة التي رأت الوافد الجديد "محمد مرسي" غريبًا على روح الدولة وموروثها فيما يتعلق بالحكم والسياسة، ولا لأن أية مستبد بحاجة لكاهنٍ يُروّج له انقلابه ويضفي الشرعية عليه.
 

قضايا كتجديد الخطاب الديني وتكفير داعش فضلًا عن البيان الأخير لهيئة كبار العلماء الرافض لتقنين "الطلاق الشفهي" على غير رغبةٍ من السيسي تُنذر بأن ثمة شقاقًا بين السيسي والأزهر بدأت بوادره.

ليس لكل هذا وحسب، بل كان الملمح الأبرز من ضلوع الأزهر -مُمَثّلًا في إمامه الأكبر- تعبيرًا عن حالة "التوجس وتنازع النفوذ" الذي طالما لازم علاقة الإخوان بالأزهر الشريف طيلة عقود. فالإخوان المسلمون رغم إعلانهم أنهم حركة وسطية ومطالبتهم باستقلال الأزهر وإعادة الاعتبار إليه فإن ذلك لم يكن كافيًا لتبديد مخاوف الأزهر وشيخه الذين رأوا في الإخوان حركةً أتت لتنازعهم النفوذ مستعيدةً منهم "حصرية الخطاب الديني" الذي استأثرت به دومًا المؤسسة الدينية لاعتباراتٍ كثيرة.
 

ورغم الدبلوماسية التي شابت علاقة الرئيس "مرسي" بالأزهر فإنّ ذلك لا ينفي وجود "تنافس خفي" بين الطرفين حُسم فيه الأمر بانتصار المؤسسة الدينية. على جانبٍ موازٍ فقد عمد "السيسي" إلى ضرورة وجود الأزهر -مُمَثّلًا في شيخه- في مشهد الانقلاب لإظهار الأمر باعتباره ثورةً شعبيةً لا انقلابًا عسكريًّا.
 

ليس هذا وحسب، فالسيسي -في إطار حربه مع الإخوان- عمد إلى إستراتيجياتٍ ثلاث: أولها هو استئصال شأفة الحركة بالسجن والتصفية، وثانيها تجفيف المنابع الاقتصادية للجماعة بالسطو والمصادرة، وثالثها -وهو الأهم- تأسيس أيديولوجية فكرية ودينية بديلة للإخوان يضطلع الأزهر بالدور الأكبر فيها عبر تصدير خطابٍ ديني يقوم على مداهنة الحاكم والبعد بالدين عن معاني المقاومة والتمرد إلى "المعني الشعائري" ما يُعدّ علمنةً للإسلام من الداخل، لكن يبدو أن شقاقًا بين الطرفين بدا يلوح في الأفق.
 

فقضايا كتجديد الخطاب الديني وتكفير داعش والموقف من الشيعة فضلًا عن البيان الأخير لهيئة كبار العلماء الرافض لتقنين "الطلاق الشفهي" على غير رغبةٍ من السيسي تُنذر بأن ثمة شقاقًا بين السيسي والأزهر بدأت بوادره بهجومٍ عنيفٍ من أبواقٍ موالية للنظام الهدف منها -على ما يبدو- دفع شيخ الأزهر للاستقالة، ليؤكد هذا حقيقة من نواميس السياسة أنه ما من شيخٍ داهنَ مُستبدًّا إلا وكان أول المكتوين بناره، لكن ليت قومي يعلمون!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة