عبد الحليم عباس
عبد الحليم عباس
689

الوجود كوعي

12/2/2017
"ومهما يكن مدى التجذُّر الأنطولوجي للوعي في الوجود أو هامشيته، فإن اللحظة الواعية، لحظة معانقة الوعي لذاته وللوجود، تبقى هي كل شيء، ولا قيمة لما عدا ذلك. إذ كيف تُوجد القيمة بمعزل عن الوعي"! المقال السابق

إن مجرد طرح التساؤل حول علاقة الوعي بالدماغ قد يزعزع المكانة الوجودية للوعي ويضع بالتالي وجود الإنسان نفسه في مهب الريح. إن إمكانية انبثاق الوعي من الخلايا العصبية للمخ تبقى سؤلاً ينتظر الإجابة من العلم، وتبقى معه الأصالة الأنطولوجية للوعي في موضع المساءلة والاتهام، وستبقى أنفاس البعض الذين ينتظرون هذه الإجابة محبوسة لوقت غير محدد خلال الفترة القصيرة التي يقضونها على ظهر الأرض، قبل أن يأتي الموت ليقول كلمته الفاصلة.
 

ما دام ليس هناك ما يقابل مفهوم الوجود خارج وبمعزل عن الوعي، فإن مفهوم الوجود/ العدم لا يُمكن أن ينطبق على الوعي، لأنه سيكون دائماً -وبالتعريف- مجرد شيء ينتمي إلى الوعي.

ولكن الخبر السعيد في هذا الوضع هو أن الوعي هو المسرح الحقيقي والوحيد لكل هذه التساؤلات والشكوك والقلق ولكل شيء آخر، بل هو المسرح الوحيد للوجود نفسه. يكفي أن نلاحظ أن كلمة مثل "الوجود" لا تعدو في النهاية أن تكون معطى من معطيات الوعي، أي أن أكثر الأشياء حقيقةً مثل حقيقة وجود الوجود نفسه، ليست سوى شيء في الوعي.
 

(2)
لعل الكثير منّا قد تساءل، ولو لمرة واحدة على الأقل، ما هي حدود الوجود، أو أين يُوجد الكون، أو ما الذي كان يُوجد قبل أن يأتي الكون إلى الوجود، أو ما الذي سيبقى لو اختفى الكون واختفى كل شيء. قد نتخيل أن الذي سيبقى إذا اختفى الكون وكل الأكوان والأشياء الأُخرى الممكنة هو فراغ سحيق لانهائي، هو ذلك الحيِّز الذي كان يشغله كل شيء يُمكن أن يوجد. يخبرنا "كانط" أن هذا الفراغ ما هو إلا شيءٌ ينتمي إلى الوعي.


فإذا قُمنا بإلغاء كل شيء فإننا لن نرى اللاشيء الذي يسبق الوجود والكون، بل سنكون داخل ذلك المسرح الفارغ للوعي. فنحن لن نخرج خارج أنفسنا وخارج الكون والوجود لكي نرى تلك الهوة السحيقة اللانهائية للَّاشيء، لأننا محبوسون داخل وعينا الخاص، وهذه الهوة السحيقة اللانهائية ليست سوى صورة داخل وعينا. ومهما حاولنا تصوُّر المُقابل الموضوعي لكلمة أو لمفهوم "الوجود" كشيء يشمل كل شيء آخر، فسنبقى داخل الوعي، داخل أنفسنا وليس في الخارج.


(3)
إذن، مفهوم الوجود الذي نحكم بواسطته على الوعي هو ليس شيئاً مستقلاً، أي هو غير موضوعي وذاتي ولا يشير لشيء خارج الوعي. وإذا كان ذلك كذلك، فما معنى أن نقول إن الوعي موجود أو غير موجود؟ أي إذا كانت كلمة "وجود" نفسها تشير إلى شيء ما داخل الوعي، إلى مفهوم أو صورة. فكيف يُمكن للوعي أن يتحدد بواسطة شيء داخل الوعي نفسه!
 

فلكي يكون هُناك معنى لوجود/ عدم وجود الوعي، يجب أن يكون هُناك مقابل موضوعي لمفهوم الوجود خارج الوعي الإنساني. وما دام ليس هناك ما يقابل مفهوم الوجود خارج وبمعزل عن الوعي، فإن مفهوم الوجود/ العدم لا يُمكن أن ينطبق على الوعي، لأنه سيكون دائماً -وبالتعريف- مجرد شيء ينتمي إلى الوعي.
 

أما إذا أردنا تعقيد الأمر أكثر فيُمكننا أن نتساءل عن المُعادل المادي/ الذهني لمفهوم "الوجود"، أي ما الذي يُوجد -فيزيائياً- في الدماغ عندما نفكِّر في، أو نتذهَّن مفهوم "الوجود". وأيّاً كان المعادل المادي/ الدماغي لهذا المفهوم، فإنه لا يأخذ أي معنى إلا داخل الوعي. أما إذا تصورناه بمعزل عن الوعي فيسكون عبارة شيء بلا أي معنى.. مجرد رموز ولكنها لا ترمز لشيء. لأن الوعي وحده هو الذي يجعل الرموز ترمز لشيء ما، فهو الذي يمنح الرموز معناها، حتى تلك التي يُمكن أن توجد في الدماغ كعضو مادي وكأساس مفترض للوعي نفسه.
 

ما يُوجد وراء الحواس جميعها، أي الشيء الأكثر جوهريةً في الوجود هو ليس شيئا يُوجد "في الخارج" وإنما هو محتوى عقلي ينتمي إلى الوعي، لأننا ندرك وجوده ليس بواسطة الحس وإنما بالعقل.

قد يقول قائل إن وجود الوعي يصبح له معنى عندما يتعلق بالآخر، فعندما أقول لك إن" وعيك موجود " فهذه عبارة تحمل معنىً واضحا. ولكن إذا تفحصناها فإن معنى الوجود لا يوجد خارج وعي كلٌ من المتكلم والمخاطب. ففي الحالة الأولى، حالة المخاطب، فهو معطى من معطيات الوعي الخاص بالمتكلم، وفي الحالة الثانية أيضاً سيكون وجود الوعي بالنسبة إلى المخاطب معطى من معطيات وعيه الخاص. أي ليس هناك لحظة يقف فيها المعادل الواقعي للوجود ككلمة وكمفهوم خارج الوعي.
 

(4)
إذن ما الذي يُوجد خارج الوعي، إذا كان مفهوم الوجود نفسه ليس له معادل واقعي؟
بل لعلنا نتساءل بطبيعة الحال عن مدى مشروعية استخدام كلمة "خارج" من الأساس، وكذلك كلمات مثل "واقعي" و"موضوعي". فإذا كان الوجود الذي يضم كل شيء هو معطى ذهني في النهاية، فما الذي يمنح الأشياء الأُخرى دعامة أو أساس الوجود؟ لنتخيل أننا لا نملك الوعي، لنكن أحجاراً مثلا، فهل سيختفي الوجود؟ ولكن هُنا أيضا لا يمكننا أن نخرج من الوعي لنتخيل شيئاً من خارج حدوده، سنبقى في الداخل دائماً.
 

لنقل إذن لو أننا فنينا كُلنا.. لو أن كارثة ما وقعت ومحت حتى آثارنا عن سطح الأرض. فهل ستبقى الأرض تدور بلا كلل، وسيبقى الكون بلا اكتراث كما كان قبل أن نُوجد جميعا؟ إذا ذهبنا فإننا سنحمل معنا كل ما هو داخل وعينا، وهذا الكون الذي نقول إنه لا يكترث سيذهب معنا لأنه قد وُجد خلال هذا الوعي، والذي ربما سيبقى هو فقط الأشياء التي لم تكن يوما في وعينا، والتي لا نستطيع أن نقول عنها أي شيء، سوى أنها لم توجد في وعينا، ولكننا مع ذلك افترضنا وجودها، فهي إذن فرضية تنتمي إلى الوعي أيضا.
 

ليس صورة الكون هي التي ستذهب معنا، وإنما الكون نفسه، لأن الكلام عن "صورة الكون" بدلاً عن الكون ينطوي على افتراض أن هُناك أصل وأننا نرى الصورة فقط كما تبدو بالنسبة لوعينا، ولكن هذا الافتراض هو أيضا جزء لا يتجزأ من الوعي، أي هو شيء فينا نحن صنعناه وسيذهب معنا هو أيضا.
 

هل معنى ذلك أن كل الأشياء والحقائق التي لم نكتشفها بعد هي غير موجودة؟
طالما أن الوجود هو معطى ذاتي، وهو مفهوم يشير الى ما يُوجد في حوزة الوعي حتى حينما يتكلم عما هُو "حقيقي" و"واقعي"، فالإجابة هي نعم بهذا المعنى. فالأشياء التي نقول إننا لم نعرفها بعد ولكنها موجودة، هي افتراضات افترضناها، ونحن حين نتكلم عنها فنحن نشير إلى هذه الافتراضات وليس إلى الأشياء "الغير موجودة" بعدُ في وعينا كمعطيات.
 

ننغلق على ذواتنا عندما نكف عن التفكير، وهذا يعني أن التواصل مع الآخر أيضاً يتم بواسطة الداخل، بواسطة الوعي الخاص.

(5)
إن ما يُوجد وراء الحواس جميعها، أي الشيء الأكثر جوهريةً في الوجود هو ليس شيئا يُوجد "في الخارج" وإنما هو محتوى عقلي ينتمي إلى الوعي، لأننا ندرك وجوده ليس بواسطة الحس وإنما بالعقل. فعندما نحاول أن نتخطى الحواس لندرك ما يُوجد بمعزل عنها، فنحن لا نتصل بشيء يوجد في الخارج، وإنما بشيء يوجد في العقل هو فكرتنا عن "عالم حقيقي" موضوعي مستقل حتى عن الحواس نفسها.
 

هل هذا ادعاءٌ بنفي الموضوعية عن كل شيء؟
في الواقع ما هو موضوعي أيضاً بما أنه -بالتعريف- شيء مستقل عن مثوله في وعينا كمعطى حسي أو حتى كمفهوم، فإننا نبحث عنه ما وراء المعطيات الحسية وما وراء المفاهيم أي ما وراء الذاتية، هذا "الما وراء الموضوعي" بما أنه ليس شيئاً نتصل به بواسطة الحس لأنه بالتعريف هو ما وراء المعطيات الحسية الماثلة في وعينا، وبما أنه في الوقت نفسه -بالتعريف أيضا- هو شيء غير ذاتي، فإن قضية وجوده في الأساس هي افتراض عقلي ينتمي إلى الوعي.
 

إن "العالم الحقيقي المفارق للوعي" هو فرضية من فرضيات الوعي. هل هذه الفرضية صحيحة؟
المؤكد أن أي إجابة لهذا السؤال لن تكون سوى منتوج آخر للوعي، أي لن تملك مشروعية أكبر من الفرضية نفسها، لأن الوعي الذي صنع هذه الفرضية هو نفسه الذي سيحاول أن يمنحها المشروعية بواسطة العقل.
 

هل معنى ذلك أننا نعيش داخل فقاعات مغلقة من الوعي الذاتي الخاص؟
إن العقل هو وسيط الاتصال بين الذاتيات المختلفة، ونحن نتواصل ونحقق قدراً من الموضوعية من خلال العقل والتفكير. ونخرج من هذه الفقاعات لنتواصل فيما بيننا بقدر ما نفكِّر، وننغلق على ذواتنا عندما نكف عن التفكير. وهذا يعني أن التواصل مع الآخر أيضاً يتم بواسطة الداخل، بواسطة الوعي الخاص.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة