عاصم النبيه
عاصم النبيه
709

عضة إصبع

13/2/2017

كان والدي في السجن عندما ولدتُ قبل عقدين ونصف من الزمن تقريبا، فعشت فترة في بيت جدي برفقة أمي التي لم تكن قد تجاوزت التاسعة عشر من عمرها في ذلك الوقت، لا أذكر تفاصيل تلك الفترة لكن الأحداث والقصص التي تذكرها أمي رسمت لدي ملامح دقيقة حول فترة عاش فيها الأب بعيدا عن ابنه الأول بسبب احتلال يحاول دائما أن ينتزع منا كل جميل، فما استطاع ولن يستطيع.

 

تروي أمي قصة إحدى زياراتنا لأبي في سجون الاحتلال حين كان عمري سنتين تقريبا، وتتحدث عن دخولنا قاعة الزيارة حيث كان يفصل بين الأسرى وزوارهم حاجزين متتاليين من الأسلاك ذات الفتحات الضيقة، بحيث يرى الأسير أهله لكنه لا يتمكن من الالتقاء بهم مباشرة أو لمسهم ولو حتى بأطراف أصابعه، يومها طلبت أمي مع الجندي أن يدخلني عند أبي ولكنه رفض وبعد إلحاح شديد أدخلني بين الحاجزين السلكيين، عندما وضعني الجندي في النقطة المقابلة لأبي لم أبدي أي تفاعل وبدا كأنني أمام رجل غريب، حاول أبي أن يداعبني لكي أتفاعل معه فاستجبت أخيرا، وعندما أمسكت الأسلاك، أمسك يدي وقبّلها مرارا وفجأة عض إصبعي.

 

خرج والدي من السجن بعد سنوات وتكررت القصة أمامه أكثر من مرة لكنه لم يفصح أبدا عن معنى "عضة الإصبع" إلا تلميحا، تلك العضة كانت قبلته المستحيلة وحضنه الدافئ وشعوره بالأبوة الذي تمنى أن يعيشه حقا.

 

يعيش الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني معاناة صعبة جدا، في ظروف مؤلمة للغاية، فهم هناك محرومون من أبسط حقوقهم التي كفلتها كل الأنظمة والقوانين، من حرمان وإهمال طبي لتعذيب جسدي ونفسي لظروف اعتقال مهينة وقاتلة

كم في السجون من رجال يتمنون عضة إصبع؟ يسكبون فيها أشواقهم وينقلون فيها حنينهم لأحبابهم الذين فصل بينهم احتلال ظالم وأسلاك شائكة؟ عضة الإصبع حلم أحدهم في الليل وأمنيته الصعبة، هي بالنسبة لآلاف الأسرى رغبة جامحة يدعون الله أن تتحقق.

 

عضة إصبع في سجون الاحتلال ليست مجرد فعل عادي، بل هي إحساس استثنائي وعواطف مؤججة ومشاعر متداخلة ومعقدة لا يفهما إلا الأسير، هي هدف أسيرة حبسها الاحتلال فحرمها رضاعة ابنتها أو رعاية طفلها، هي طموح صبي لم ير والده منذ عشر سنوات وأكثر. عضة الإصبع أكبر من دمعة وأوجع من اعتقال وأطول من مؤبد.

 

يعيش الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني معاناة صعبة جدا، في ظروف مؤلمة للغاية، فهم هناك محرومون من أبسط حقوقهم التي كفلتها كل الأنظمة والقوانين، من حرمان وإهمال طبي لتعذيب جسدي ونفسي لظروف اعتقال مهينة وقاتلة، حبس إداري وعزل لسنوات وأحكام عالية قد تصل إلى آلاف السنوات، لدرجة أن أحدهم قد تموت والدته دون أن يلمسها أو يموت هو في السجن قبل أن يضم أمه التي حرم منها منذ عقود.

 

منسيون هم الأسرى، تتسارع الأحداث يوميا، وتمر الأيام والسنين، تنتهي معارك وتبدأ أخرى، وهم هنالك خلف القضبان، صابرون محتسبون، لا يتنازلون ولا يستسلمون.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة