يوسف حسن محمود
يوسف حسن محمود
457

من القصور إلى القبور

15/2/2017
استطاع الاستعمار الغربي في القرن المنصرم أن يقسم دول العالم إلى ثلاثة أقسام: كالدول المتقدمة، وهي دول أوروبا الغربية وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائهم في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة. الدول النامية وهي أكثر دول آسيا وبعض دول أفريقيا وبعض دول أمريكا اللاتينية، دول العالم الثالث وهي الدول الفقيرة التي تعتمد دائما على المساعدات الأجنبية ومعظم هذه الدول تقع في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

سبب فقرها ليس بأراضيها الخصبة ومواردها الربانية، بل يعود إلى سببين آخرين هما:
أسباب خارجية، وهي تدخل دول الغرب في شئونهم الداخلية، وخاصة النظامين السياسي والاقتصادي لأنهم يخلقون فوضى وعدم الاستقرار، تارة يدعمون الحكومات ويعارضون الجبهات، وتارة يدعمون الجبهات ويعارضون الحكومات لكي ينهبوا ويستفيدوا من ثرواتهم الربانية من معادن ونفط وأراضي زراعية التي منَّ الله على هذه الدول.

وأسباب داخلية منها الجهل والفساد الإداري، وسوء تدبير السياسات الداخلية للحكومات. هذه المشكلة سببها رؤساء هذه الدول الذين يعتقدون أنه إذا صلحت سياسة الحكومة وانتهى الفساد سيفقدون مناصبهم، أو كراسيهم التي يظنوها إرث آبائهم، لأنهم لا يتمتعون بثقة شعوبهم فلذلك يحاول الواحد منهم أن يكون كل شيء على ما يريد هو حتى يبقى منصبه، ويعيش الناس بفقر مذل وبطالة لا تنتهي، هذه العقبات أصبحت آفة لا تتجاوزها شعوب هذه الدول.

في القارة السمراء هناك العديد من الرؤساء الذين تم قتلهم أثناء الحكم، بأساليب منها انقلاب عسكري يقوده ضباط من الجيش، وبعد سيطرة الجيش على السلطة، يلغون الدستور ويحكمون على الرئيس.
على سبيل المثال للحصر، العراق دولة عربية تقع في الشرق الأوسط وهي من الدول التي نالت استقلالها من المستعمر البريطاني، قام صدام حسين ومجموعة من الضباط بانقلاب عسكري، وأخذ العراق بيد من حديد، وكان حليفا لروسيا وفي عام 1991م، هاجم صدام الكويت وأحتلها وبعد طلب من الأمم المتحدة رفض الخروج من الكويت بسبب عناده وديكتاتوريته، حتى بدأ الغزو المعروف بغزو العاصفة بقيادة أمريكا، وبعد هذا الغزو ضعفت قوة العراق بسبب العقوبات التي فرضها الغرب، ثم بدأت الأمم المتحدة برنامج النفط مقابل الغذاء.

وفي عام 2003 بدأ الأمريكان الغزو على العراق بدون مبرر شرعي بسبب امتلاكها أسلحة الدمار الشامل، التي أصبحت فيما بعد مزيفة، ولكن الهدف من الغزو كان نهب ثروات العراق فقط. بعد سنوات من الغزو تم القبض على صدام، وبعد محاكمات ماراثونية حكم عليه بالإعدام شنقا، نفذ هذا الحكم بيوم العيد الأضحى المبارك.. من القصور إلى القبور.

ليبيا دولة عربية تقع شمال أفريقيا، هي عضو في كل من الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، نالت استقلالها من المستعمر الإيطالي، وبعد حكم ملكي حدث انقلاب في عام 1969، بقيادة شاب من الجيش اسمه معمر القذافي، الذي حكم البلاد أكثر من 40 عاما، وأعاد الأمن والاستقرار وحكم البلاد بالكتاب الأخضر، كان يساند الجبهات الإفريقية ضد حكوماتهم، وكان يعارض الشرق والغرب، لكنه لم يكتسب قلوب شعبه، بل زرع فيها الحقد والكراهية بسبب تصرفاته السياسية الغليظة، كان له نموذج خاص به.

في عام 2011 عندما هبت رياح الثورات العربية التي سميت بالربيع العربي، هزت كرسي القدافي ودخلت بلده حربا أهلية ودمرت كل شيء، وهذا ما كان يريده القذافي.. إذا لم أحكم أنا ليس بعدي شيء، وهناك قاعدة شيطانية تقول "أنا ومن بعدي طوفان" رفض تسليم السلطة ولم يسمع طلب أصدقائه مغادرة بلاده إلى الخارج لينقذ نفسه وبلده، لكنه أبى إلا أن يقاتل فقتل.. من القصور إلى القبور.

وفي القارة السمراء هناك العديد من الرؤساء الذين تم قتلهم أثناء الحكم، بأساليب منها انقلاب عسكري يقوده ضباط من الجيش، وبعد سيطرة الجيش على السلطة، يلغون الدستور ويحكمون على الرئيس بالإعدام أو ثورة جبهات غاضبة، تسيطر المنشئات الحكومية وتحمل السلاح في وجه الشرطة والجيش، بعد هذه الفوضى يهرب الرئيس أو يتم القبض عليه من قبل الجبهة ثم تتم تصفيته، كما حدث في بوركينا فاسو بعد قتل سانكارا من قبل مجموعة مسلحة حيث أطلقوا عليه النار عندما كان ذاهباً إلى أحد الاجتماعات، قد أخذوا جثته وقطعوها إرباً ثم دفنوها في إحدى المقابر وبعض الدول الإفريقية.

المشكلة الأساسية هي أن بعض الرؤساء يعتقدون أنه لا يستحق أحد أن يحكم البلد غيره، كأنه رسول إلى الأمة، وهذا ما نراه في العالم العربي مثل مصر التي لم ترى حكما مدنيا قط، إلا حكم الرئيس السابق محمد مرسي، الذي تم الانقلاب عليه من قبل الجيش بقيادة السيسي، الذي هلك الحرث والنسل واليمن التي تم تدميرها من قبل المخلوع صالح وحلفائه الحوثيين، المدعومين من قبل إيران وسوريا، التي دمرها بشار الأسد الذي ينتظر الرحيل أو الموت.

وهناك دول أخذت النظام الملكي مثل بريطانيا والسويد والنرويج وفلندا والدنمارك والأردن والمغرب والخليج العربي، التي يتسم حكم الملوك فيهم إلى الأبد ولهم حكومات منتخبة، بيد أن هناك نموذج يحتذى به في بعض الدول وهو تنازل أمير الدولة عن السلطة وهو على قيد الحياة، وهذا قليلا ما يحدث وكما يقول المثل "لو دامت لغيرك ما وصلت".

لا غرو أن نرى اليوم دول غير مسلمة تتمتع بأمن وأمان ورفاهية بسبب العدل وقضاء الفساد، وتداول السلطة بسلمية عبر صناديق الاقتراع، مع وجود بعض الأمور التي نختلف معهم فيها.
معظم دساتير الدول تمنح للرئيس الترشح لولايتين فقط، لكن في السنوات الأخيرة نرى رؤساء يعدلون الدستور لكي يتمكنوا الترشح لولاية ثالثة، ينادون بانتخابات عامة، وبعد فرز الأصوات تشير النتائج إلى فوز الرئيس نفسه والمجالس البرلمانية يفوز بها حزبه، هذه ليست انتخابات نزيهة، تؤدي إلى اضطرابات سياسية واقتصادية. كما نرى في الجزائر والسودان وجيبوتي وبوروندى وغامبيا وإثيوبيا وإريتريا وأوغندا وكونغو وزيمبابوي، وكما رأينا الصومال الحبيب التي أكلتها ثورتها قبل عقدين بعد صراع حاد بين الحكومة العسكرية السابقة، وجبهات معارضة ومسلحة.

والسبب في ذلك أن معظم الرؤساء يرون الكرسي فقط، لا يعطون خصمهم فرصة ولا يفهمون معنى المعارضة، وإذا فهموها يفهمون أنها عصابة من المخربين وخونة لا يليق بهم أن يحكموا الوطن، وهذا خطأ فادح.

إن جوهر الديمقراطية أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكم أو نظام يكرهونه، ومن أساليب الديمقراطية أن يدلي أفراد الشعب أصواتهم بانتخابات عامة أو استفتاء عام. وأيضا تعدد الأحزاب السياسية وحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة واستقلال القضاء واحترام حقوق الإنسان، وهذا يتفق جوهر الإسلام. والإسلام ينكر أن يؤم الناس في الصلاة من يكرهونه كما في الحديث النبوي الشريف: ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا وذكر أولهم رجل أمَّ قوما وهم له كارهون. وإذا كان هذا في الصلاة فكيف في أمور الحياة السياسية؟

تأملوا المقولة الشهيرة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تدوم دولة العدل ولو كانت كافرة، لذلك لا غرو أن نرى اليوم دول غير مسلمة تتمتع بأمن وأمان ورفاهية وقلة الفساد واستقرار واحترام حقوق الإنسان بسبب العدل وقضاء الفساد، وتداول السلطة بسلمية عبر صناديق الاقتراع، مع وجود بعض الأمور التي نختلف معهم فيها كالعلمانية وقلة الأخلاق النبيلة والحرية المطلقة والزواج المثلي وإلغاء عقوبة الإعدام وغيرها.

أخيرا، نقول "حلمنا بس كلمة واحدة أن ظل عندنا وطن، لا حروب لا خراب لا مصائب لا محن، خذوا المناصب والمكاسب لكن خلونا الوطن".

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة