محمد المشيطي
محمد المشيطي
283

الأمير موْدُود بن التونتكِين.. باقي القصة

17/2/2017

كنا في التدوينة السابقة المُعنونة (الأمير موْدُود بن التونتكِين)، قد سردنا بداية قصة شرف الدَّولة "موْدُود بن التونتكِين"، وكنا قد تحدّثنا عن حصاره لمدينة "الرها" وأن مودُود قد شعر بأن الوقت يضيع بلا فائدة.

لقد قرَّر أن يكون واقعيًّا، وأن يتجه إلى غير "الرها"، فاتجه إلى "تل باشر"، والتي كان يرأسها "دي كورتناي" أحد أشهر القادة الصليبيين، فحاصر الجيش الإسلامي المدينة، لكنها كانت منيعة هي الأخرى "كالرُّها".

بينما يضرب الجيش الحصار على هذه المدينة، جاءت رسالتان من الشام تحملان استغاثة إلى الأمير "مودود"، الأولى من أمير "شيزر" يخبر فيها أن مدينته تعرضت لهجوم من الصليبيين، وأما الثانية فكانت من الخبيث "رضوان"، الذي أبلغ عن هجوم أمير أنطاكية الصليبي على "حلب"، إن سقوط مدن إسلامية أخرى يعتبر كارثة، وخاصةً مدينة كبيرة ومهمة كحلب، وهنا تردَّد "مودود" في رفع الحصار عن "تل باشر"، لأنه يعرف خبث "رضوان"، إلاّ أن الشر كان هو الموج الذي يسبح فيه "مودود" ومن معه من الصالحين، لأنّ "دي كورتناي" أمير "تل باشر" تواصل مع "أحمديل" أمير "مراغة"، ووَعَده إن هو أقنع الجيش المسلم بفك الحصار عن "تل باشر"، ببعض الفتات، فكانت الخيانة في أرض الجهاد.

الموصل آمنة، وبعيدة عن الخطر، وكل الظروف مستقرة، لكن "مودود" كان فاهمًا لدوره تجاه دينه وأمته، وهذا الذي دفعه لبدأ المسير للهدف من جديد.

وبعد حصار دام لخمسة وأربعين يوماً، فُكَّ الحصار وتوجَّه الجيش لنصرة حلب، إلا أن رضوان أغلق المدينة في وجه الجيش، متعذّراً بأنه يخشى هذا الجيش أشد من خشيته جيوش الصليبيين، وكأنّ الزمان يُعيد نفسه اليوم، فكثيرون يخشون "حماس" مثلاً أكثر من جيش الاحتلال، هاهنا حدثت أزمة كبيرة؛ فالجيش توغل وابتعد عن العراق، و"رضوان" الخبيث يُغلِق الحصون، ويستطيع جيش الصليبيين في "الرها" أن يغلق باب العودة على الجيش الإسلامي، الآن.. للأسف جيش "مودود" في مأزق حقيقي!

إلا أن الشعوب ورغم القمع لا تزال حيّة، لقد قرر "الحلبيون"، الخروج في مظاهرات لردع رضوان، إلا أنَّ للمستبدين والظلمة ذات الطرق، اعتقل الموالون لـ "رضوان" عدداً من أعيان المدينة، واتخذوهم رهائن لتهديد الشعب.

ذات الصور في واقعنا المعاصر، كل التخاذل أمام أعداء الأمة، بينما السطوة والقوة على الشعوب وأبناء الدين.

قرّر "مودود" أن يبتعد عن حلب، ويتجه لدمشق حيث الأمير "طغتكين"، والتقى "مودود" بالأخير الذي بدا واضحاً عليه خوفه أيضاً من الجيش الإسلامي، مع رغبة في قتال الصليبيين، فاستطاع "طغتكين" أن يفرِّق بسهولة بين الأمير "مودود" وبقية الأمراء، بين من يريد حرب الصليبيين لله، وبين من لا يريدون إلا الدنيا، أصر "طغتكين" أن تهاجم الجيوش "طرابلس" ليضمن ابتعادهم عن دمشق، وضربهم لأقرب الجيوش الصليبية منه. "طغتكين" هذا كان مضطرباً فلا هو كـ"مودود"، ولا هو كـ"رضوان"! وأمثاله كثير في زماننا، ومثلهم لا يُغيّرُون!

أمراء الصليبيين يدعون للتوحُّد في مواجهة المسلمين بينما الحال في المعسكر الإسلامي كالتالي: موت "سقمان القطبي" وانسحاب جيشه، ومرض أمير "همذان"، فانسحب جيشه، وأحمديل" يتعلَّل بوجود بعض المشاكل الداخلية؛ فينسحب من المعركة، وانسحاب جيش "إياز" إلى بلاده لهدف عجيب وهو الهجوم على جيش "سقمان القطبي"، بعد وفاة قائده؛ لأجل الغنائم! هل يعقل هذا؟

إن لله تعالى سُنَّة لا تتبدل، فالجيش الذي لا يَقْوَى على الاتحاد جيشٌ لا ينتصر، ينبغي أن يعلم ذلك العاملون اليوم.

شعر "طغتكين" أن هناك هجوما كبيراً سيقع على دمشق مما دفعه إلى الاستنجاد بالأمير "مودود"، الذي وجد فرصة مناسبة مع خطورتها، ومع ذلك قَبِل "مودود" وخرج بالفعل صوب دمشق.

وجد "مودود" نفسه وحيدًا ولم يثبت معه إلا جيشه، وجيش "طغتكين"، وأقبلت الجيوش الصليبية من كل مكان، وبلغ عددها ستة عشر ألف مقاتل.

في هذا الوضع السيء جاءت رسالة من أمير "شيزر" يدعو فيها الجيش الإسلامي للقدوم إلى مدينته للتحصن بها، وبالفعل توجه الجيش إلى "شيزر"، وتحصن وراء أسوارها، وجاء الجيش الصليبي بعد أن تيقّن أن العدد أصبح قليل.

بعد مناوشات بسيطة تدخّلت العناية الإلهية؛ فألقى سبحانه وتعالى الرهبة في قلوب الصليبيين، وبدأو يخشون مناوشات الجيش الإسلامي، ورأى الصليبيون أنه من الأسلم لهم ترك هذا الجيش؛ ليتفرَّغوا للملوك الضعفاء في الشام، وهنا كان "مودود" واقعيًّا، وعاد إلى الموصل.

الموصل آمنة، وبعيدة عن الخطر، وكل الظروف مستقرة، لكن "مودود" كان فاهمًا لدوره تجاه دينه وأمته، وهذا الذي دفعه لبدأ المسير للهدف من جديد، ففي عام 1112م، يهاجم "الرها" مرة أخرى! لكنها حصينة كعادتها، فيتركها ويهاجم مدينة "سروج"، القريبة من "الرها"، بنصف الجيش، بينما يرابط النصف الآخر قريبا من "الرها"، وللأسف أمير "تل باشر"، عرف أن "مودود" تحرك بقسم صغير من جيشه إلى "سروج"؛ فانتهز الفرصة، وتحرك بجيشه صوب "سروج"، وهناك استطاع أن يُلحِق هزيمة بجيش "مودود"، وعلى الرغم من وَقْع الهزيمة إلا أن "مودود" عاد للـ"الرها" لينضم ببقية جيشه إلى المرابطين الذين يحاصرونها.

إنها المحاولات المتكررة دون يأسٍ، والله تعالى لم يُقدِّر بعدُ أن تُفتح "الرها"، إلا أن حملة "مودود"، أحدثت اضطرابًا داخل إمارة "الرها"، أدَّى إلى قلاقل داخلية وعدم استقرار.

شعر "طغتكين" أن هناك هجوما كبيراً سيقع على دمشق مما دفعه إلى الاستنجاد بالأمير "مودود"، الذي وجد فرصة مناسبة مع خطورتها حيث (سيبتعد عن الموصل، سيقاتل جيش مملكة بيت المقدس أقوى الجيوش الصليبية)، ومع ذلك فقد قَبِل "مودود" أن يلبي النداء، وخرج بالفعل على رأس جيشه صوب دمشق.

أعداء الأمة قد أضمروا صورة نتنة للخيانة، ففور انتهاء صلاة الجمعة، قفز على "مودود" رجل من الباطنية، وطعنه بخنجر، ليختم بذلك حياة حافلة بالجهاد والبذل والعطاء والحكمة.

ومع كل ما حدث من خيانات سابقة من الأمراء إلا أن "مودود" دعا إلى التجمُّع من جديد فاجتمع بعض الأمراء معه، وأخذوا في غزو المناطق الصغيرة متحصلين على قدر كبير من الغنائم، وأخذ الجيش يقترب من القدس؛ لذلك خرج "بلدوين" بسرعة في اتجاه "طبرية"، واختار "مودود" شبه الجزيرة المعروفة بالأقحوانة، بين نهر الأردن ونهر اليرموك، ونصب كمينًا لجيش "بلدوين"، وشاء الله أن يدخل بلدوين في الكمين وشاء الله أيضاً أنه لم يترك حامية تحمي ظهره.

ودارت الموقعة التي عرفت في التاريخ بموقعة "الصنبرة"، وما هي إلا ساعات حتى سُحِق الجيش الصليبي، وقتل ما يزيد على ألفي فارس، وغنم المسلمون غنائم هائلة، وكان يومًا ردَّ فيه "مودود" الاعتبارَ للمسلمين عن هزائم عديدة، وشهدت المعركة بزوغاً للقائد العسكري الفذُّ (عماد الدين زنكي)، الذي وصل في المهارة العسكرية إلى الغاية.

شعر "مودود" بالخطر نتيجة تجمع عدد ستة عشر ألف صليبي؛ ففكَّر في الانسحاب محافظاً على جيشه الذي لم يفقد في هذه المعارك إلا القليل، وبالفعل اتجهوا لـدمشق، ولم تفكر الجيوش الصليبية في متابعتهم نتيجةً للخسائر الكبيرة.

بعد "الصنبرة": عودة الثقة للجيش وللمسلمين بصفة عامة، وخسارة الصليبيين أكثر من ألفي فارس، وترسَّخ لدى المسلمين مبدأ الهجوم على القوات الصليبية بدلاً من الدفاع، وعلو نجم البطل عماد الدين زنكي، مما سيؤثر مستقبلاً في الجهاد بصفة عامة.

دخل مودود بن التونتكين رحمه الله مدينة دمشق وبدأ في تجميع جيوش جديدة والاستعداد لمواجهة جديدة، إلاّ أن أعداء الأمة من الذين يدعون ظاهريّاً أنهم من أبناء الإسلام، قد أضمروا صورة نتنة للخيانة، ففور انتهاء صلاة الجمعة، وبينما "مودود" يتجول في المسجد، قفز عليه رجل من الباطنية، وطعنه بخنجر، ليختم بذلك حياة حافلة بالجهاد والبذل والعطاء والحكمة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة