عبد الحليم عباس
عبد الحليم عباس
370

الحقيقة.. من المعرفة إلى الدين

17/2/2017
"الإنسان عندما يشعر بالكون مسبحاً بعظمة الخالق، فهو هُنا لا يمارس العلم والمعرفة ولكنه يتعبّد"- مقال سابق بعنوان "الرؤية الدينية كانفعال بالوجود"

(1)
معرفيّاً لا معنى للبحث عن عالم حقيقي غير مشروط بالوعي. وإذا كُنا لا نستطيع أن نتوقف عن التفكير في الحقيقة بالتعريف كشيء مستقل عن الوعي، فإن ذلك ربما لا يعود لشغف معرفي بقدر ما هو نزوع وتوق ذو طبيعة انفعالية دينية.

وبالطبع إن المعرفة ذاتها قد يحركها باعث انفعالي، خصوصا عندما تتعلق بالإنسان ذاته. فعندما نبحث أو نفكّر في الوعي الإنساني أو في النفس فإن الأمر يمسّنا في الصميم، وسؤالنا عن أنفسنا ليس سؤالاً معرفيّاً محضاً. ونحن نواجه الأسئلة التي تخصنا كشيء مفروض علينا، لا كشيء نصنعه بأنفسنا. وليس هُناك موقف أكثر جدّية من أن يواجه الإنسان سؤال الإنسان -حتى لا نقول حقيقة الإنسان فنحن ما نزال سؤالاً بالنسبة لأنفسنا أكثر من كوننا حقيقة.

لا يُمكننا المراهنة على الضمان الذي قدمه "ديكارت"، حين قال إن العالم الحقيقي موجود لأن الخالق لا يخدعنا، في حين أنه كان قبل ذلك قد برهن على وجود الخالق بواسطة العقل. وهذه هي مشكلتنا الأساسية مع أنفسنا حينما نبحث عن الحقيقة.
نحن كذلك على الرغم من أن كل شيء في النهاية لا يُوجد إلا بالنسبة لنا، لا لأننا المركز الحقيقي للوجود الذي يسبح داخل وعينا وحسب، وإنما أيضا لأننا لا نستطيع أن نقف خارج هذا الوعي لكي نرى الأشياء على حقيقتها، وأننا حتى لو استطعنا أن نفعل ذلك -أيّا كان الذي يعنيه الخروج من الوعي- فإن الذي سيخرج سيكون في النهاية هو نحن أيضاً. وفي الواقع، إذا كانت الحقيقة ستتغيّر تبعاً لتغيُّر طبيعتنا فإن هذا دليلٌ إضافي على أن الحقيقة المستقلة لا وجود لها. فهي لا يُمكن أن تكون مستقلة حتى بالنسبة للخالق نفسه، طالما أن الخالق هو من خلق كل شيء، ولا يُوجد ما يُمكن أن يكون موضوعيّاً بالنسبة له.

وفي نفس السياق فإننا عندما نقول الخالق فنحن نشير إلى مفهوم يُوجد مشروطاً بوعينا. فإذا كُنا لا نستطيع تخطي حدود المعطيات الحسية إلا إلى داخل وعينا ذاته، فإننا لا يُمكن أن نتخطى حدود العالم إلى ما وراءه إلا إلى المزيد من الذاتية.

ولذلك لا يُمكننا المراهنة على الضمان الذي قدمه "ديكارت"، حين قال إن العالم الحقيقي موجود لأن الخالق لا يخدعنا، في حين أنه كان قبل ذلك قد برهن على وجود الخالق بواسطة العقل. وهذه هي مشكلتنا الأساسية مع أنفسنا حينما نبحث عن الحقيقة.

هناك فرضية أساسية وراء ذلك النزوع الانفعالي إلى الحقيقة المتعالية، أو التحسُّر على استحالتها بالنسبة لأولئك الذين يشعرون بفقدان الأمل، مفادها أن الحقيقة يجب أن تكون دائماً متعالية أو حتى مستحيلة وإلا فهي ليست حقيقة. فمن تعريفها، لا طائل معرفي وراء البحث عن تلك الحقيقة. فلماذا إذن لا نكف عن البحث والتساؤل حولها، أي لماذا لا نتخلّى نهائيا عن هذا المفهوم؟

قد يكون السبب هو أن البحث عن هذا النوع من الحقيقة هو في الأساس ليس بحثاً عن المعرفة بقدر ما هو بحثٌ عن المعنى، أي هو بحثٌ عن ذلك الشيء الغامض الذي لا ينتمي في الأصل إلى مجال المعرفة، بل إلى الشعور والانفعال.

مجال البحث عن الحقيقة بالمعنى المتعالي للحقيقة هو الدين، وليس العلم أو الفلسفة. لأنها، أي الحقيقة، ليست موضوعاً للمعرفة في الأساس بسبب طبيعتها.
(2)
وإن كانت المعرفة أيضا قد تحركها بواعث انفعالية قديما والآن، فإن ما يميّز المعرفة بالمعنى العلمي والفلسفي هو أنها قد أصبحت شيئا مستقلا منذ أن بدأ الإنسان يفكِّر بعقلانية، حيث أصبح الدليل والبرهان يفرض نفسه كشيء مستقل عن رغباتنا وآمالنا وعن إرادتنا. فمنذ أن بدأ الإنسان يفكِّر ويعرف بالعقل وبالتجربة لاحقا، أصبحت "الحقائق" لا تأتي كما يرغب ويتمنى.

ولقد زاد هذا الوضع الجديد للمعرفة من مشكلة الإنسان بحيث أصبح في حالة متناقضة، فهو من جهة قد أصبح أكثر سيطرة عن طريق المعرفة، ولكنه أصبح هامشياً بفضل هذه المعرفة نفسها، لأن حقيقته قد أصبحت من ضمن موضوعاتها. فقد أصبحنا بشكل أو بآخر نستمد رؤيتنا لأنفسنا من العلم، أو على الأقل تتأثر رؤيتنا لأنفسنا به، وكذلك وإن بدرجة أقل، الفلسفة. دون أن يعني ذلك بالطبع أن الوضع قد كان أفضل في السابق، حين كان يسود المفهوم الأسطوري للحقيقة عن الإنسان والعالم.

(3)
إن مجال البحث عن الحقيقة بالمعنى المتعالي للحقيقة هو الدين، وليس العلم أو الفلسفة. لأنها، أي الحقيقة، ليست موضوعاً للمعرفة في الأساس بسبب طبيعتها. فقضية الحقيقة ليست قضية معرفة وفكر، بل قضية شعور وانفعال. والاقتراب من الحقيقة في هذه الحالة قد يكون بواسطة تحوُّل يحدث للوعي، وليس في الوعي أي ليس تحوّلاً في الأفكار والمفاهيم كمعطيات للوعي كمعرفة، بل تحوّلاً في مستوى أعمق يمسّ جوهر الوعي ذاته، ولذلك فهو تحوّل للوعي وليس فيه.

فالفرق بين الدين من جهة والعلم والفلسفة من جهة أخرى، هو أن الإنسان قد ينخرط في الدين بكل كيانه عبر الشعائر والتربية الروحية، بينما يقتصر كلٌ العلم الفلسفة على استخدام أدوات معرفية يُفترض بها أن تكون محايدة أو أن تقترب من ذلك باستمرار.

(4)
إن تحديد مجال الحقيقة بالدين من وجهة النظر الفلسفية، قد يبدو أشبه بإحالة مفهوم الحقيقة إلى المتحف بعد أن فقد صلاحيته في المجال المعرفي. ولكن الفرق بين المجال الانفعالي والمجال العقلاني ليس فرقا معياريّاً أو تفضيليّاً، فليس هُناك علاقة أفضلية بين المعرفي والمعنوي، لأنه ليس هناك إطار يُمكن أن تتم فيه هذه المقارنة بينهما بهذا المعنى.

والطريق إليها ليس بالتفكير وحده وإنما بالتجربة والممارسة الدينية بالمعنى الواسع لمفهوم دين والذي يسمح لنا بالإشارة إلى كل أولئك الباحثين عن المعنى من خلال طريقة معينة في الحياة، أو من خلال الحياة بطريقة معينة.
إن الانفعال لا يقتضي البحث عما وراء أو عن موضوعية تتخطى الظاهرة محل الانفعال. فعلى العكس من مفهوم حقيقة العالم أو الوجود فإن معطيات مثل الجميل والجليل تبدو مكتفية بذاتها، بل هي تفقد وجودها ومعناها نفسه عند البحث عن الحقيقة الموضوعية الكامنة وراءها.

وهو، أي الانفعال، يُوجد بسبب طبيعتنا نفسها، ونحن حين نرى جمال الأشياء على سبيل المثال لا نفكّر في البحث عن حقيقتها، أو لا نريد، ولا نتمنى أن نخرج من حدود وعينا لكي نرى حقيقة الجمال. مثلا لا أحد يفكِّر في رؤية "قوس قزح" بشكل حقيقي. لماذا؟ لأنه موجود بسبب طبيعتنا في الأساس. ونفس الأمر مع "السماء ذات البروج".

فإذا كُنا نشعر بمحدودية معرفية بسبب طبيعتنا، فإننا مدينون لهذه الطبيعة بشعورنا الانفعالي عموما، والذي يجعل الدين والفن ممكنين.

(5)
في الواقع فإن الفكر الديني العقلاني أيضا يتخلى عن المفهوم الأُسطوري للحقيقة حينما يؤكد على نسبية الإنسان مقابل الحقيقة الدينية، وأن الإنسان لا يدركها إلا بشكل نسبي. على الرغم من أنه هُنا أيضا ما يزال يخلط بين المعرفة والانفعال.

إن الفرق بين الفكر الديني والفكر الفلسفي هو أن الفكر الفلسفي يضع الحقيقة الدينية ذاتها موضع التساؤل، الأمر الذي يجعلها تصبح على الفور موضوعا فلسفياً تماما كبقية الموضوعات ويخضع القول فيها لشروط الفكر الإنساني. وذلك ليس لأن الفكر الفلسفي معادٍ للحقيقة الدينية أو كاره لها، وإنما لأن هذه هي طبيعته فهو يشتغل بهذه الطريقة. بينما قد يضعها الفكر الديني كشيء مسلَّم به من البداية، حقيقة مفارقة للوعي والفكر ومتعالية، ولكن قد لا يُمكن البرهنة عليها.

بالطبع هنا نتكلم عن وضع مثالي للفكر الديني، حيث أن الذي يحدث في الواقع عادةً هو أن هذا الفكر يرفض الفصل بين الحقيقة بالمعنى المعنوي والحقيقة بالمعنى العلمي والفلسفي المشروط بالعقل وأدوات المعرفة الإنسانية.

يحدث هذا الخلط بسبب مشكلة اللغة وتداخل الأزمنة والعصور في واقعنا العربي الذي يفتقر إلى الشعور بالزمن والتاريخ، فنحن ما نزال نستخدم كلمة الحقيقة بالمعنى النسبي المحدد بإطار أو نسق معرفي مثل الحقائق العلمية، وفي نفس الوقت نقول بأن الحقائق الدينية هي حقائق بهذا المعنى، بل قد نسعى إلى محاولة تأسيس وتفسير الحقائق العلمية بالدين أو العكس.

أما الحقيقة بالمعنى المتضمّن في عبارة "البحث عن الحقيقة" والتي هي أقرب في مضمونها إلى "البحث عن المعنى" فهي تقع في مجال مختلف عن المجال المعرفي، والطريق إليها ليس بالتفكير وحده وإنما بالتجربة والممارسة الدينية بالمعنى الواسع لمفهوم دين والذي يسمح لنا بالإشارة إلى كل أولئك الباحثين عن المعنى من خلال طريقة معينة في الحياة، أو من خلال الحياة بطريقة معينة. 

ولكن العقل الذي يريد أن يسيطر على الحياة وعلى العالم بواسطة الحقيقة المطلقة المحددة بوضوح في شكل نصوص جاهزة للتنفيذ وبالتالي للسيطرة والتحكُّم في كل شيء، هذا العقل لا يحب ولا يبحث عن حقيقة معنوية، بل يريد أدوات للإحاطة بالعالم فهماً وتفسيراً وتسييراً ولذلك فهو يصطدم بالعقل العلمي والفلسفي الذي يعمل في هذا المجال وبأدوات وأسلحة أكثر تقدُّماً بقرون طويلة وكثيفة مليئة بالتاريخ.
كلمات مفتاحية: معرفة، دين، وعي، الذات، حقائق

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة