باب أحمد محمد القصري
باب أحمد محمد القصري
475

الخطابة.. رؤى إدارية

17/2/2017
استشعارا لأهمية الارتقاء بخطبة الجمعة فإننا نضع بين يدي من يهمهم الأمر رؤى إدارية للتطوير، لقناعتنا بأن عملية التطوير الشاملة لا يمكن أن تتم دون إطار إداري واضح المعالم، يخطط وينظم ويوجه ويراقب، ويدرس البيئة ومتطلباتها، ويضع الادلة الارشادية والمعايير اللازمة.

إن توفر الموارد المادية والبشرية وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف المنشودة ما لم تتم إدارة هذه الموارد بفاعلية وكفاءة تضمن الاستفادة المثلى من الإمكانات المتاحة، فالجانب الإداري يعتبر ناظما ومكملا للجوانب الأخرى.

وأولى خطوات التطوير: استقطاب الكفاءات التي تتوفر فيها المؤهلات اللازمة، من علم شرعي، ولغة سليمة، ومهارات في فن الخطابة والالقاء، ومستوى من الاطلاع على اهتمامات ومشكلات الناس المختلفة، من خلقية واجتماعية واقتصادية وتربوية، ليكون الخطباء أقدر على معالجة المشاكل والتحديات برؤية شرعية، مع تعليم المسلمين ما لا يسع جهله من عقيدة وشريعة، كل ذلك في إطار من تربية الوازع وتعبيد العباد لله عز وجل.

كلما ارتفع سقف الحريات في بلد وتم منح الخطيب هامشا للإبداع كان ذلك أدعى للرقي بهذه الشعيرة والانطلاق بها نحو آفاق التميز.
كما يلزم وضع خطط للتدريب والتأهيل المستمر، الذي يكسب الخطباء مهارات الالقاء والتواصل الفعال، مع ضرورة الاستعانة بباحثين ميدانيين لتحديد مستوى ونوع المخاطبين في كل جامع، وتصنيف الخطباء والجوامع على هذا الأساس، وهي خطوة بالغة الأهمية والتأثير، وكمثال على غياب هذا النوع من التخطيط الاداري، أذكر أن أحد الجوامع كان على مقربة من مجمع سكني يقطنه أكاديميون وأساتذة جامعيون، ومع أن مستوى الخطيب كان مقبولا، إلا أنه لم يرقَ لمستوى المخاطبين.

وعلى العكس من ذلك نجد خطيبا مصقعا يهز أعواد المنابر، جميل الترسل، يتهادى صوته العذب، وتتدفق ألفاظه منسابة لا تنافر بينها، في أسلوب أدبي رفيع، لكنه يقف أمام حشود من عوام الناس، لا يتبينون من كلامه إلا القليل، فيذهب جهده سدى، لذا يلزم تصنيف المساجد إلى مستويات (أ – ب – ج ...)، وتصنيف الخطباء كذلك ليكون أساسا لعملية التوزيع التي هي عملية إدارية وإجرائية محضة، كما يتم وضع المساجد (غير المصنفة) تحت بند "خاص" ليتم التعامل معها كل على حدة.

إن الإدارة الفعالة لمنظومة الخطابة تتطلب وضع دليل إرشادي للخطيب المثالي يحدد المعايير والمؤهلات المطلوبة، إضافة إلى آليات التطوير الذاتي والتحضير الجيد للخطبة.

كما أن مهمة التطوير تقتضي رصد موارد مالية كافية تسمح بالتحفيز واستقطاب الكفاءات، مع الانفتاح على الخطباء من خارج قطاع الشؤون الاسلامية (قطاع التعليم على وجه الخصوص) لاستقطاب كفاءات مدربة ومتمرنة على الالقاء والاتصال.

إن عملية اتخاذ القرارات الإدارية السليمة تتطلب وجود قاعدة بيانات عن كل جامع، للإسهام في معرفة خصوصياته وأحوال وخلفيات المخاطبين فيه، بموازاة قاعدة بيانات عن الخطباء ليتم التخصيص والتوزيع السليم.

كما تقتضي الإدارة الفعالة عدم إغراق الخطيب بالتعاميم الإدارية والتدخل المباشر في خطبته، فكلما ارتفع سقف الحريات في بلد وتم منح الخطيب هامشا للإبداع كان ذلك أدعى للرقي بهذه الشعيرة والانطلاق بها نحو آفاق التميز، ففي الدول التي يتم فيها اغتيال الإبداع بتعميم خطب مكتوبة تراجع دور المنبر وذوى تأثيره، فاسحا المجال لمؤسسات إعلام جماهيري تملك من الجاذبية والقدرة على الحركة ما لا يملك.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة