مبدأ الحرية في النظام الإسلامي

17/2/2017

عند استحضار طبيعة السلوك الذي عاشه الأنبياء عبر عصور التاريخ البشري منذ فجر البعوث الرسالية للرسل، وتداعيات ذلك الصراع المتكرر وملابساته مع بني البشر في كل قوم وعصر وجيل ، عند استجلاب تلك الاحداث إلى الذهن ومحاولة تدبر طبيعتها ومعرفة غايتها ومنهجية الأنبياء في التعامل مع الإنسانية ، نجد أن الدعوة تنطلق من أسس معينة ثابتة دقيقة لا يحيد عنها السالكون لمنهجية الدعوة، الخائضون غمار الصراع مع الأوضاع والنظم البشرية القائمة في الأرض بشتى تفاصيلها وهياكلها وتفكيرها وتصورها للحياة وما حولها من وجوديات الكون، وفوق هذا وذاك عندما نعيش في دوحة القرآن وخطابه الرائع المؤسس لتلك المنهجية السلوكية الثابتة في التعامل مع التصورات البشرية.

ولم يشرع القتال للقتل، بل لكسر حواجز القوة العدائية التي يقيمها الجانب المعتدي، والقوة هي حالة ظرفية يفرضها واقع معين تماشيا مع طبيعة البشر المتقلبة بين الخير والشر.

نجد أن القرآن لا يمت خطابه بصلة لتلك الهمجية التي تشوهت بموجبها الصورة الذهنية لطبيعة الإسلام، وهي صورة الإسلام المواجه للنظم بالحجة لا بالقهر والتسلط، وهي تلك الصورة التي رسختها الرسالات السماوية وتحدت بها نظم البشر القائمة على الظلم والطغيان، لأنها الصورة المشرقة التي أعطت للإنسان اعتباره وكونت له دستور حياته، وجعلت منه كائناً حراً يختلف جذرياً عن طبيعة الصراع الوحشي في الغابات والأدغال.

وإننا عندما نتحدث عن "الحرية" كمبدأ وسلوك ومنهجية للتعامل مع البشر بمختلف توجهاتهم الدينية والفكرية، فإننا نؤسس لطبيعة الإسلام الذي كان خلاصة النتاج المنهجي الثابت لتجارب الصراع البشري التاريخي قبل رسالة الإسلام، وهو صراع الأنبياء مع الناس في كل فترة وحقبة عاشتها البشرية، حيث كان سلوك الأنبياء هو الدعوة والحجة والبرهان والتبيين، وليس ضمن مهماتهم إنزال العقوبات بأيديهم على الناس، بل لا يتجاوزون الدعوة والبرهان والإقناع، فما كان من تلك الأمم إلا أن تتجبر وتنتهك الإطار الإنساني الكلي وتستبد بالأنبياء وتنكل بهم، ثم يأتي العقاب من السماء رادعاً باطشاً لا تحتمله قوة بشرية بل يعصف بهم كهشيم تذروه الرياح.

قال تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس 99)، إن الإيمان ليس ظاهرة، بل جوهرة فريدة تنعقد في القلب وتترسخ في العقل وتترجم بموجبها السلوكيات، وليس المسلمون مسؤولون إلا عن أنفسهم وعن سعيهم لدعوة الناس، وليسو مسؤولين عن إنزال عقوبة واحدة لمن اختار بإرادته أن يعتنق ما يراه في نفسه، دون أن يعتدي على الآخرين أو ينتهك مقدساتهم بالقوة والحرب. وهذا السلوك هو أحد ثوابت الدين التي بموجبها ترسخ طبيعة المنهج الرباني في النفوس، فالحرية هي الأساس للتعامل مع البشر عبر تاريخ الرسالات، وفي ظل رسالة الإسلام. ولم يشرع القتال للقتل بل لكسر حواجز القوة العدائية التي يقيمها الجانب المعتدي، والقوة هي حالة ظرفية يفرضها واقع معين تماشيا مع طبيعة البشر المتقلبة بين الخير والشر، الاعتداء والتسامح، الاستبداد والعدل.

لا تخرج الحرية من أسس النظام الإسلامي بكل أبعاده الاجتماعية والسياسية والفكرية، فهي المنصة الأولى لإقامة الشريعة وتأسيس الدولة الإسلامية.

ولمّا شهد واقعنا الأليم غياب المفاهيم الحقيقة لطبيعة الدين؛ شهدنا بموجب ذلك تشوه الخطاب الدعوي وتأثرت في ظل ذلك سلوكيات المجتمع كنتاج طبيعي للفهم القاصر المتجاوز لجوهرة التدين وأساسه وهي الحرية، باعتبارها مبدأ إنسانيا كرسه الله في النفوس منذ النشأة الأولى في الأرض، وباعتبارها خياراً حتمياً تنبثق من خلاله مصائر البشر بين الجنة والنار، وكيف يكون هناك جنة ونار مالم تكن حقيقة الحرية والاختيار بين الإيمان والكفر هي الجوهرة الأبرز في رحلة الإنسانية في أرض الله حتى يوم البعث.

ولذلك كله لا تخرج الحرية من أسس النظام الإسلامي بكل أبعاده الاجتماعية والسياسية والفكرية، فهي المنصة الأولى لإقامة الشريعة وتأسيس الدولة الإسلامية. إذ كيف لنا تطبيق منهج تشريعي سياسي في دولة بينما الشعب لا قناعة له بذلك ولا اختيار؟ وهل سنحكم الشجر والحجر إن لم يكن البشر هم الجمهور الفاعل في صناعة الشرعية الممنوحة من قبله للإدارة السياسية لإنزال التشريعات عن رضى وقناعة، وعلى أساس ميثاق وعهد ينفذ دون حياد أو تفريط.

ختاماً: لابد للأمة وأبنائها أن يهرعوا لحقائق القرآن ليشكلوا ذهنية صافية تنطلق منها أرواحهم فاتحة للشعوب، حاملة هذا النور الرباني، ملتزمة بمبادئه وخطابه المؤسس للحريات المانح لها منذ فجر التاريخ البشري، عبر تسلسل الرسالات السماوية كطريقة رائعة تشكل مزيجاً جميلاً من قصص الشعوب والحضارات البشرية وعلاقاتها مع الأنبياء، وكتجارب خالدة منحها الله التداول وسنة التكرار، فلولا وجود الخير والشر في طبائع البشر لانعدمت الصدامات ولما كانت الحرية هي المنصة الأولى لتبليغ الرسالات وتأسيس الحضارات والدول والمجتمعات.

قال تعالى "وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين" "آل عمران_104"، وهي الطبيعة للصراع البشري مهما تغيرت الظروف واستجدت الأحداث وتباينت المواقف وتلون الباطل واستشرى الطغيان، وإن أمة لديها كل هذا الكم والكيف الهائلين من أسس النهوض، ليصغر بها أن ترتمي في أحضان الماضي تبريراً لعجزها عن صناعة الواقع.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة